|
حالة نفسية تصل إلى حد المرض والهوس
التشاؤم والتفاؤل حقيقة أم وهم؟!
إستطلاع : سالم المجيدي
• الطب
النفسي:
لا يوجد يوم سعد ويوم نحس، فنحن من نضع المعاني للأشياء التي لا
معنى لها.
•
التعامل مع الحقائق قد يكون قاسياً لكن الأقسى هو إعطاء الأحداث
معان لا تمت لها بصلة.
هل صحيح بأن لأصوات البوم والغربان أثرها السلبي وأنها من أصوات
الشؤم؟ وما حقيقة استبشار البعض منا بدخول حشرة معينة المنزل وهي
تصدر دبيباً قوياً تبشرنا بقدوم ضيف أو خبر سار؟! هناك الكثير من
الظواهر توارثتها مجتمعاتنا من جيل إلى جيل وبات العديد من الناس
يرددونها عند كل حدث ويأخذون بها لدرجة أنهم يبنون عليها آمالهم
المستقبلية.. ظاهرة التشاؤم والتفاؤل ليست وليدة اللحظة فقد كان
العرب القدماء يعتمدون في أسفارهم على وجهة الطير وعلى وجهة الرياح
، فإذا كانت يميناً فالسفر آمن وإذا كانت يساراً كان الاعتقاد أن
هناك خطراً محدقاً قتلغى فكرة السفر أو تؤجل ليوم آخر، كما أن هناك
من يتفاءل أو يتشاءم بأرقام معينة وأيام معينة.. فما حقيقة ذلك
ياترى؟
هذا التحقيق يحاول الإجابة على هذا السؤال وغيره من الأسئلة..
الاعتقاد من منطقة لأخرى
يختلف الاعتقاد بالتفاؤل والتشاؤم من منطقة لأخرى ومن بيئة لأخرى،
ففي البادية يعتمدون في تفاؤلهم وتشاؤمهم على الحيوانات، فذلك
الطير يدعو للخير وتلك الأفعى نذير شؤم، أما في المناطق الساحلية
فللطقس أثره في النفوس، فإما أن يدعو للتفاؤل فيقوم البعض بمباشرة
أعمالهم، وإما أن يدب اليأس في النفوس ليؤجل كل منهم عمله حتى زوال
هذا الطقس.
أما في المدن الكبيرة فهذه الظاهرة نسبية لا تتعلق بالبيئة فقط،
فهي تختلف من جيل لآخر وحسب القاعدة الفكرية والثقافية لكل شخص
والمجتمع الذي نشأ فيه، وللتعرف إلى هذه الظاهرة كان لا بد من
اللجوء إلى الجيل القديم.. فها هي الحاجة» محصنة» 70 عاماً تحدثنا
حول صحة بعض المقولات وأصلها، حيث استرسلت بحديثها لتقص بعض
الحكايات.. تقول الحاجة محصنة: كانت جدتي تتفاءل كثيراً إذا حكها
أحد حاجبيها فكلما حكت أحدهما جلست تنتظر أن تسلم على غائب سوف
يأتي من سفر بعيد.. أما أذنها فلها حكاية أخرى، إذا طنت أذنها
اليسرى فهناك خبر سيئ آت لا محال، وإذا طنت اليمنى فالخبر الجميل
قادم في الطريق.
أما جدي فكان يعتقد أن كل خلافاته مع من حوله وانزعاجه الدائم
سببها حكة أنفه، فلطالما نشب خلاف بينه وبين جدتي، وفي نهاية كل
مشكلة كان يقول: لقد توقعت حدوث ذلك منذ أن حكني أنفي في الصباح.
وتستطرد الحاجة «محصنة» قائلة: ذات مرة زارتنا إحدى الجارات في
بيتنا ، وعندما خرجت من عندنا لتفاجأ بقطة سوداء ذات عينين لامعتين
تقف أمامها فارتعشت وبدأت بقراءة بعض الآيات لأن القطة السوداء
دليل شؤم.. وغالباً ما كان أهل الحي يستنفرون عند سماع نباح كلب
لأنهم كانوا يعتقدون أنه يخبرهم بقرب موعد وفاة شخص من هذا الحي
فيخيم الصمت لعدة دقائق، ويبدأ كل واحد بتحصين نفسه خوفاً من أن
يكون المقصود .
وكذلك صوت الغراب عند الفجر الذي طالما أنبأنا بوفاة أحد من سكان
المنطقة، أما والدتي فكان أكثر ما يؤرقها انكسار إبرة الخياطة
أثناء عملها فهو نذير شؤم كبير.
تفاؤل بيوم الاثنين
وللجيل الجديد آراؤه الخاصة حول هذا الموضوع أو الظاهرة حيث كانت
البداية مع منيرة عبدالله جامعية والتي تحدثت قائلة: طالما
انتظرت يوم الإثنين بفارغ الصبر لأنه يختلف عن باقي الأيام، فهو
يصادف أهم الأحداث في حياتي، ولو كان بمقدوري للخصت حياتي في أيام
الاثنين فقط، وكان أول هذه الأحداث هو يوم ميلادي المصادف ليوم
الإثنين عام 1980م، ومن ثم توالت معظم أيام ميلادي في يوم الاثنين،
كذلك ظهور نتيجة تفوقي في الدراسة الثانوية كان أيضاً يوم الإثنين،
بالإضافة إلى أن معظم الأحداث الجميلة مرت بي في هذا اليوم لتؤرخ
لحظات من أسعد أيام حياتي.. وتضيف: في يوم الإثنين التقيت بالشاب
الذي أحببت فكانت خطبتي له يوم الإثنين وكذلك صادف في هذا اليوم
يوم زواجي.
نخلقها نحن ولا أصل لها
حول قضية التشاؤم والتفاؤل يؤكد الأخصائيون في الطب النفسي أن أكثر
من يتأثر بهذه الأشياء هم النساء،ذلك أن المرأة تؤثر فيها الخرافات
بسرعة، ولعل ذلك راجع إلى طبيعة تكوينها التي تجعلها تحس باستمرار
بأنها بحاجة إلى حماية ولا تطمئن اطمئناناً داخلياً كاملاً إلا إذا
كانت في حماية رجل سواء كان هذا الرجل الأب أو الأخ أو الزوج أو
الابن، ومن الأشياء التي تملأ حياة المجتمع بالخرافات حسب رأي
الطب النفسي الأرقام، والأرقام في حقيقتها لا تعني شيئاً سوى
العدد، ولا تمثل شيئاً قائماً بذاته له معنى، ولكننا نجد أن عدداً
كبيراً قد جعل للأرقام معنى خاصاً في حياته كالتشاؤم من الرقم 13
حتى أن بعض الفنادق الكبرى والعمارات الضخمة ألغت رقم 13 منها، كما
أن هناك من يتفاءل بالرقم «5» أو بالرقم «33» أو بالرقم «99» وغير
ذلك من الأرقام ، بل أن هذا التفاؤل أو التشاؤم يتعدى ذلك إلى
الأيام، فالتشاؤم ينبع من داخلنا فيسيطر علينا بسبب ارتباط رقم
معين أو يوم معين بحادثة نكرهها أو بشيء سبب لنا ألماً أو بموعد
فقدان إنسان عزيز علينا، تلك الحادثة تبقى في عقولنا لتعود وتظهر
مرة أخرى كلما جاء هذا الرقم أو هذا اليوم، والنتيجة أننا نقوم من نومنا ونحن في حالة
نفسية سيئة ونتوقع هذا اليوم شراً بل ونتعجله بحيث أننا نشتبك أو
نتشاجر أو ننفعل ونبكي لأتفه الأسباب، ويكون هذا البكاء عن خوف في
داخلنا مما نتوقع حدوثه في هذا اليوم، ولذلك فنحن نتعجل حدوثه حتى
نشعر بالاطمئنان وبأن التشاؤم الذي نتوقعه من هذا الرقم أو اليوم
قد جاء ومر فنشعر بعدها براحة نفسية، وعموماً لا يوجد شيء اسمه يوم
نحس أو يوم سعد، ولكن يوجد شيء اسمه يوم فقط،، فنحن الذين نضع
المعاني للأشياء التي لا معاني لها، ونضع منها حواجز نفسية يكون
لها تأثير بعد ذلك في حياتنا. والنصيحة التي يوجهها لنا الطب
النفسي.. أن تفعل المرأة ما تخشاه وتتوقعه فإذا كانت لا تخرج من
بيتها في يوم معين فلتخرج وسترى أنه لا شيء مما تتوقعه سيحدث، فإذا
كانت تتفاءل برقم معين يجلب الحظ لها فتحاول دائماً أن تقدمه في كل
شيء لترى أنه لا يجلب شيئاً، فالتعامل مع الحقائق قد يكون قاسياً
على النفس، ولكن الأقسى منه هو أن نعطي للأحداث معان لا تمت لها
بصلة، والإنسان الذي يستطيع أن يخلص حياته من كل هذه الخرافات يعيش
حياته سليماً وسعيداً.
فراشة حولت التشاؤم إلى تفاؤل
أما « سمير عبدالفتاح » فهو مفرط في التفاؤل والأمل، الذي لم يأت
عن اعتقاد متوارث بل عبر تكرار الصدف في حياته، مما جعله يعتقد بها
ويتعامل على أساسها .. يقول سمير: لم أهتم يوماً لظاهرة التفاؤل
والتشاؤم من أرقام أو أيام أو غيرها . والقصة بدأت عندما قررت
السفر إلى القاهرة لإكمال تعليمي العالي ،وأوشكت أموري على
الانتهاء لولا الصعوبات التي حالت دون إكمال مجريات السفر، فجلست
أندب حظي لعدة أيام حتى فقدت الأمل، وفي مساء أحد الأيام تدخل
فراشة من نافذة الغرفة لتطوف الغرفة لساعات الليل الطويل، وأنا
أراقبها بين الفينة والأخرى،فقالت أمي أن هناك بشارة خير في
الطريق.. لم أهتم كثيراً لحديثها، وفوجئت بعد يومين تماماً بقبول
أوراقي في السفارة وتم تحديد موعد سفري.
ويؤكد «سمير»: تلك الصدفة لم تكن الأخيرة، فلقد تكررت هذه الحادثة
أكثر من مرة، فمنذ فترة بسيطة عندما أحاطت بي فراشة في الطريق،
وبدأت تحوم فوق رأسي، فلم أكمل طريقي حتى التقيت بصديق غائب منذ
عشر سنوات، وكم كانت فرحتي عارمة بلقائه، وغيرها من الصدف التي
بدأت تشعرني بالتفاؤل من وجود الفراشات إلى جانبي، أنا الآن في
حالة بحث دائم عن فراشة في الطريق، وأفتح نافذة غرفتي لعل وعسى
تدخل فراشة من خلالها لتأتي بخبر أو بشرى سارة.
وجهه نذير شؤم
ول «رشاد الورافي» شكل آخر من أشكال التفاؤل والتشاؤم، فهو يعتمد
على وجوه الأشخاص حيث هناك وجه يتفاءل به وآخر يشعره بالتشاؤم،
وهذا ما يحصل معه حتى الآن في حياته اليومية.. عن خوفه من رؤية ذلك
الوجه الذي ينذره بالشؤم.. يقول «رشاد»: لوجوه الأشخاص تأثير كبير
على نفسيتي، ففي أحد الأيام كنت على موعد لإجراء مقابلة للعمل في
شركة معروفة، بوجود موافقة مبدئية من صاحب العمل، وكان ذهابي مجرد
شيء شكلي لإتمام الإجراءات، وأنا في طريقي التقيت شخصاً أتشاءم
كثيراً من وجهه، وفعلاً ولسبب لم أعرفه حتى الآن لم أقبل في هذا
العمل..وصدفة أخرى في عرس أحد أقربائي، تدخل هذا الشخص في ترتيبات
الحفل، فأحسست بأن شيئاً سيحدث، وبالفعل لم يمض العرس لآخره حتى
فوجئ الجميع بالعريس يترك عروسه وألغي الحفل.
التفاؤل أفضل
تذكر كتب الأحاديث النبوية الصحيحة بأن الطيرة قد ذكرت في مجلس
الرسول «صلى الله عليه وسلم » فقال: «أحسنها الفأل، ولا تردوا
مسلماً فإن رأى أحدكم ما يكره فليقل.. اللهم لا يأتي بالحسنات إلا
أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك» وقال: «لا
عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة»،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى الناس عن التشاؤم، ولذلك
روي عن ابن عمر رضي الله عنه قوله: من ردته الطيرة عن حاجته فقد
أشرك، قالوا.. وما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك
ولا طير إلا طيرك. وهناك الكثير من الأحاديث الصحيحة التي تحرم
التشاؤم وتدعو إلى التفاؤل ومنها: «إن الرقي والتمائم والتولة شرك»
ولهذا كان العرب في الجاهلية يتشاءمون في الهامة وهي طائر ليلي
وقيل بأنها البومة، كانوا إذا سمعوها تشاءموا ، وإذا وقعت على
البيت خاف أهله وقالوا: يموت أحدهم أو يخرب هذا المنزل!! ومثل
البومة الغراب، وكانت هناك بعض الحيوانات والحشرات التي يتشاءمون
منها أيضاً. |