|
 
النباش
بقلم
/ صلاح الدكاك
* (( أنا مستعد لأن أنشر كل ما يسمح الرب بحدوثه، على هذا
الكوكب )) . هكذا أرسى الأمريكي (( جوزيف بوليتزر )) أبرز
قاعدة قامت عليها ما تعرف بالصحافة الصفراء .. الفلسفة
المختزلة في عبارته الشهيرة الآنفة ، تلوح عارية تماماً من
لبوس الالتزام والمسؤولية الاجتماعية ، إزاء محيط نشاطه
الصحفي . الرافعة الوحيدة المقدسة لديه هي أن يحدث الحدث ،
مهما بدا فارغاً من أي قيمة إخبارية ولا أهمية لديه لما
سيترتب على نشره ، مهما كان كارثياً .
- أدار (( بوليتزر )) محرك هذا البلدوزر الصحفي الأعمى ،
وتركه يطوِّح في كل صوب ، ويدهس العام والخاص والبخس
والثمين ، خائضاً في الوحول والحدائق ، ومقتحماً الأمكنة
المفتوحة وغرف النوم ..
ولو لم يكن قد فعل ، لفعل عدد غفير من نظرائه الشيء نفسه ،
فالاستثمار في النقائص البشرية والعقد والأمراض النفسية
والاجتماعية ، أمر مربح للغاية وزهيد الكلفة .. إذا أردت
أن تضاعف مبيعات صحيفتك ، فلا تكتب عن تفشِّي الملاريا
بصورة مريعة في أحد الأحياء الفقيرة ، بل عن تفشي تجارة
الجنس في الحي نفسه . استرسل في تصوير الكيفية التي اغتصبت
بها الضحية ومدى بشاعة ملامح الجاني ، ولا تتعرض لجذور
جريمة الاغتصاب الاقتصادية والاجتماعية ..
- تراهن مثل هذه المدرسة الإعلامية - في الأساس - على
الولع الخفي لدى شريحة من القراء ، بالتلصص واختلاس النظر
إلى تفاصيل يعرض عنها الأشخاص الأسوياء عادة .
ما القيمة الإعلامية في نشر صورة ل(( ديانا أو كونداليزا
رايس )) أثناء الاستحمام ، أو صورة لرأس مهشم في حادث سير
؟! .. يجد بعض القراء متعة ما ، في صور صحفية كتلك ،
وتتواطأ بعض الصحف على تلبيتها .
- لا تلزمك إحصائية رسمية ، لتحاجج على أن صحف الجريمة
والفضيحة ، هي الأولى من حيث الذيوع وحجم المبيعات ، في
بلدك . والشهر الفائت شعرت بالذعر إزاء خبر صحفي عن طفلة
(( اغتصبت وقذفت من سطح بناية - وفق الصحيفة )) . ما
أرعبني ليس مصير الضحية المريع بالطبع ، بل مصير أسرة
وأقارب المتهم الذي أورد الخبر اسمه الثلاثي ولقبه، والجهة
التي يعمل فيها والده ، مقروناً بوصف (( السفاح )) .
سرعان ما ذاع الخبر وألصقت نسخ منه على واجهات بعض المحلات
التجارية والذين احتفوا به بدا واضحاً أن (( شهوة الهتك ))
كانت حافزهم ، لا بؤس الضحية . لقد أسرتهم - بطبيعة الحال
- الجريمة الصحفية الموازية لجريمة الاغتصاب والقتل التي
لم تغادر بعد غرفة التحقيق ليحسم القضاء فيها .
- إن أخبار الجريمة والفضيحة ، لا قيمة لها برأيي . إلا
على افتراض أنها تنفع
ك(( ترمومتر )) لقياس مدى حاجتك لأن تتداوى .
إذا أحسست بالتذاذ إزاءها ، فاعرض نفسك - في الحال - على
طبيب . |