الرئيسية | تعرف علينا | ملف العدد | إصدارات | مقالات | أعداد سابقة | أضفنا للمفضلة | ألبوم الصور

 
 
 
 
 
 

 تقرأون داخل هذا العدد. . . . رئيس التحرير : أزمتنا في الحب والتسامح !... ( عباس غالب)  يكتب عن مناهج التعليم .. و ( نائف حسان ) يضع الديكور في لقاء ؟. . . .بحر وطماش وقرى يصعب زيارتها في العيد .. مضطرون للتسول؟ !. . . . كوكبان .. لحن يرتل في السماء !. . . .نساء العالم يطالبن الزعماء وعداً بالمساواة ! . . . مجهدون في خدمة القبيلي! . . . . التشكيلية آمال عبد السلام : أرفض تصنيف الفن .. رجالي ونسائي!؟. . . . حمدي البكاري يتحدث عن طوابير الفقر !. . . . .                         

 
 
 
 

 
 
 
 

 
 



فئة المهمشون في المجتمع اليمني :

 مجهـدون في خدمة القـبـيلي !

* كتب / محمد القيرعي

إذا أردت أن تعرف كيف يمكن للطبيعة الإنسانية أن تبلغ أعلى درجات الصفاء والدعة والسكينة في محيط يسوده البؤس والفوضى والحرمان من حق الحياة ..
وكيف يمكن للمرح والانكسار أن يلتقيا معاً في خيمة واحدة وقلب واحد ، وكيف يبتسم المعذب لعذاباته والمريض لأوجاعه والثكلى لأحزانها والمنبوذ لقدره وكيف يمكن للطفل الذي ينام مفترشاً العراء أن يحلم هو الآخر تماماً كما يحلم الآخرون دون الحاجة إلى أغطية القماش وزجاجات الحليب المستوردة وسترات الجلد الدافئة ... الخ
.

فما عليك سوى التوجه إلى اقرب " محوى " أو تجمع سكاني للاخدام من تلك التجمعات البشرية البائسة والمتناثرة " كلعفة الخريف " على مدخل وأطراف المدن الرئيسية والثانوية أو في البطون الريفية النائية والمقفرة على امتداد الجغرافيا الوطنية أو ما تبقى منها إن جاز التعبير ... حيث الفقر والشقاء والفاقة والأجساد العارية والمثخنة بسياط التطرف العنصري والفوضى هي المناخ الرئيسي الذي لا يشير فقط إلى هوية هؤلاء ووضعهم الاجتماعي الدوني الموروث , بقدر ما يوضح حجم وفظاعة المحنة التاريخية التي يتجرعها " الأخدام " وسط الاتون الاجتماعي العنصري الموروث في انتظار المجهول .

 
الأبعاد العنصرية التاريخية
منحهم المجتمع القبلي العنصري حقده ونبذه واحتقاره .. فيما العرف والتاريخ تواطآ معاً لتجريدهم كل أشكال القدرة على الرفض والاحتجاج والتمرد على قيود العبودية والاسترقاق ... الخ
فكانت العبودية هي أقصى ما قدمته هذه الطبقة المقصية " الاخدام " لنفسها ولأجيالها المتعاقبة على مدى عشرات القرون الزمنية المظلمة والمعتمة الممتدة إلى عهدنا الحالي مورثة إياهم الجهل والأسياد تلو الأسياد والدونية المتعاقبة بتعاقب دورة الميلاد الآثم وظمأ الأسطورة المتوحشة ... الخ .
غير أن هذه الوضعية القهرية وغياب الهوية لم تمنع الاخدام بطبيعة الحال من اكتساب العديد من السمات والمميزات الإنسانية الفريدة التي لا يمكن اكتشافها إلا من خلال الغوص العميق في الأغوار " المخدمانية " الذاتية والعميقة والتي يستحيل في الوقت ذاته على أي شخص بلوغها مالم يكن " خادماً " حقيقياً " مثلي أنا" ينتابه الإحساس اليومي بالدونية والكرامة المهددة والمسلوبة ...الخ .
فعلى الرغم من تشتتهم وعيشتهم في مجتمعات بشرية متفرقة ومعزولة ومتدنية تفتقر إلى ابسط شروط الحياة والتطور إلا أنهم نجحوا عبر قرون الاستبداد الطويلة في تكوين شخصيتهم الطبقية والثقافية المستقلة واستنباط أنماط عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية والأسرية الخاصة وشعائرهم الدينية والأخلاقية ..
فيما الطبيعة من جهتها هي الأخرى مكنتهم رغم قسوتها من اكتساب مسحة راقية من الدعة والجمال والفن المخدماني الأصيل الذي لا يقطعه سوى أنين الجوع والفاقة والعوز ربما للحظات قليلة سرعان ما تزول قبل أن يعود الغناء المخدماني للصدوح بشجن الغربة الأبدية والترحال اليومي نحو المجهول رغم ما يشوب حياة الاخدام تلك وعاداتهم وطقوسهم الداخلية من زيف وتشويه وافتراء وإشاعات كيدية دأبت فئات المجتمع العنصرية البيضاء على بثها وترويجها وإنتاجها بصورة مشوهة ومنحرفة ضد الاخدام لأسباب لا تتعلق فقط بالرغبة الدفينة لدى طبقات المجتمع البيضاء في طمس وإخفاء كل الأشياء الجميلة والمثالية في حياة الاخدام وبربريتها مقارنة بالطبيعة المدنية والحضرية الخلاقة التي تتسم بها حياة الاخدام وعلاقتهم الداخلية والإنسانية المثلى ... الخ .
ولعل هذا ما دفعني للتجوال هذه المرة بحماس تبشيري في محاوى وتجمعات الاخدام منتهزاً فرصة حلول شهر رمضان المبارك الذي يشكل بالنسبة لنا متاحاً معرفياً وافراً في محيط هذه الطبقة " الاخدام " قد يمكننا بالفعل من استعراض الحقائق المبهمة والمتوازنة داخل الأغوار الداخلية العميقة لطبقة الاخدام المغلقة وعرضها بصورتها المثالية والحسنة والمطمورة عادة ما بين ركام العلاقات العنصرية المتوارثة وغبار التضاريس الاجتماعية الشائكة والمعقدة بتركيبتها القبلية الموروثة كواحدة من أفظع الأخطاء والأعباء التاريخية المحمولة على كاهل الإنسانية في بلادنا ..

تعز .. موطن الاخدام وملاذهم التاريخي
كانت جولتي هذه المرة محصورة بدرجة أساسية داخل النطاق الجغرافي لمحافظة تعز المحاصرة بأنفاس الغربة والذبول والموت الطويل المتعري من وطأة الشجن الحبيس إلى الحياة .
كانت تعز فيما مضى من الدهر على وشك الولادة الكبرى عندما خسر التاريخ معركته الفاصلة مع " رهبان الشر " الذين قدموا في غفلة من التاريخ ذاته داخل التجاويف الصدئة لمداخن " المجوس " المقدسة والمعبودة آنذاك ...
ولهذا السبب ربما ظلت " تعز الدامعة " متأهبة على الدوام للإدلاء بشهادتها التاريخية حول الموت الكبير الذي طال الإنسانية وإعطاء زائريها ومريديها صورة وافية ومبسطة عن مجمل المشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية الشائكة والمعقدة بحيادية مطلقة ولأنها " أي تعز " تشكل في واقع الأمر نموذجاً حياً وحقيقياً لما هو سائد في عموم المشهد الاجتماعي والوطن الملتهب على إيقاع القوة .
ولهذا لم يكن عجيباً على الإطلاق أن توصف تعز في بعض مراحلها التاريخية " بوطن الاخدام " وإمارة العبيد أو كما هي موصوفة حالياً " عاصمة البراغلة " في لوحة انفعالية صامتة توحي بصدق النبوءة الماثلة وصحة الحقيقة التاريخية ... الخ
فتعز ما كان يمكن لها أن تصبح مأوى فعلياً وتاريخياً لجموع القتلة والمأجورين والمشردين وقطاع الطرق والعصابات الحربية الذين يتناوبون دفنها حتى اللحظة لو لم تكن في حقيقة الأمر هي الوطن الحقيقي والتاريخي " للأخدام " والمستلب على قاعدة الطموح الاخضاعي لمزوري التاريخ، وهو ما تؤكده بطبيعة الحال عراقة العلاقات التاريخية القائمة بين شريحة الاخدام المقصية وتعز اللعوبة والمغامرة والمخذولة لدرجة انه لا تخلو زاوية واحدة أو ركن مقصي من حواري تعز وتجاعيدها المنهكة من وجود الاخدام بطبيعة الحال والذين يفترشون أجزاء واسعة من أحشائها وضواحيها وأحيائها السكنية وأطرافها الملغومة بغبار الفوضى والتخلف الاثنية السياسية ..
فالاخدام هم " عطر تعز " وعبقها التاريخي رغم القسوة المفرطة للظروف المعيشية والطبقية والانقسامية الحادة التي يتجرعونها في سياق المفاهيم الاجتماعية ذاتها المتحكمة في سير عجلة التاريخ ..
وهو الواقع الذي يمكن للمرء أن يلمسه بجلاء من خلال تلك المظاهر المأساوية القاسية التي تتخللها حياتهم البائسة في الأحياء والتجمعات السكنية الخاصة بهم " المحاوي " والمعزولة تماماً عن الإطار العمراني والبيئي والسكني والمجتمعي العام .. والمكونة " أي محاوي الاخدام "من أكوام القيش وورق الكرتون المقوى والخرق البالية و اتناك الصفيح الصدئة " وأنفاس الموت المتصاعدة على إيقاع الفاقة ... الخ .
أنهم هنا وهناك وفي كل مكان تجدهم في ترحال لا ينتهي بأجسادهم العارية والمنهكة من اعباء الحاجة وأقدامهم الحافية والمتشققة من كثر التجوال وأيديهم الممدودة إلى مالا نهاية وملامحهم السمراء المكسوة بعبث التاريخ والخالية تماماً من كل مباهج الحياة والسكينة رغم أنهم ولوحدهم المجهدون منذ لحظات الميلاد الأولى في خدمة السيد الأبيض " القبيلي " والسهر على راحته وتنظيف عتباته وشوارعه وأحيائه ومدنه .. باستثناء ضمائره المتسخة باتساخ الدهر.
ولتلخيص مكامن الحياة الخفية الداخلية والأبعاد النفسية والروحية والأخلاقية في محيط طبقة الاخدام المغدورة كان لابد لنا من الغوص الكافي في أحيائهم وتجمعاتهم السكنية التي تحتفي هي الأخرى بالتباشير الرمضانية كما يحتفي الآخرون وان عدمت الحياة في أوساطها ... الخ .

العلاقة الروحية للأخدام برمضان
ما من شيء على الإطلاق يحُظى بذلك القدر الهائل من الترحاب أكثر مما يحظى به قدوم " رمضان " في قلوب الاخدام ووجدانهم المكتنز بكل نقاء الدنيا وبساطتها ... وذلك بالنظر إلى الخصوصية المتفردة التي يمتاز بها شهر رمضان في محيط هذه الطبقة " الاخدام " لأسباب عدة أبرزها وأهمها بالطبع إلى جانب المدلول الديني والروحي والأخلاقي الرمزي الذي يحمله بما يوفره ايضاً من متاح مادي ومعيشي لا يكفي غالباً لسد الحاجة وذلك عبر أموال الزكاة الشحيحة التي يتلقاها الاخدام في هذا الشهر بالذات والتي تسهم على ما يبدو رغم شحتها في التخفيف من وطاة الإحساس اليومي بالحصار والاختناق الدوني المتعظم الى حد اللعنة ...الخ .
مع الإشارة في هذا الصدد إلى أن اغلب أموال الزكاة المخصصة في مثل هذا الشهر " رمضان " لسد الحاجات الضرورية والقصوى للفئات الأشد فقراً وحاجة في المجتمع .. تضل طريقها هي الأخرى عندما يتعلق الأمر بالاخدام ..
نظراً لأن أموال الزكاة والهبات الخيرية واقعة مثلها مثل إعانات الضمان الاجتماعي الحكومية في سوالفهم التاريخي للقبائل وولاة الأمر الذين عودونا على الدوام باستثناء كل ما هو خادم من تلك المعونات الإنسانية التي تؤول استحقاقاتها المادية في كل المرات لصالح المشائخ والمتنفذين وأسرهم وأعوانهم الاجتماعيين من ملاك الأراضي والإقطاعيات الزراعية الكبيرة والمصنفين وفق اغلب الجداول الخيرية والرسمية بالطبقات الأكثر فقراً وفاقة من فئة الاخدام المتخمين دون أن ندري بالنعمة والثراء وأبهة الملك ... الخ
وهو ما أكدته لنا المهمشة والمعاقة جسدياً " نعمة حسن ناجي " .. المقيمة بقرية المحول ـ مديرية خدير مدينة تعز والتي التقيناها مصادفة أثناء تجوالنا في سوق الجملة بمدينة تعز وهي تقوم بعملها المعتاد والوحيد الذي تجيده التسول على أبواب المحلات التجارية وأسواق الخضار ... الخ
تقول نعمة البالغة من العمر ثلاثين عاماً أنها هكذا خُلقت معاقة وقد توفي والداها على التوالي ولم يبق لها غير شقيق وحيد يعاني هو الآخر من العوز والفاقة بالإضافة إلى انه متزوج ولديه أطفال كثيرون وهو ما جعلها مضطرة لمواجهة اعباء الحياة بمفردها وعبر التسول الذي لم يعد يجدي كما قالت .. مضيفة إلى أن"القبائل " بحسب تعريفها أصبحوا أكثر بخلاً وأنانية في أيامنا هذه لدرجة أن الطعام بالنسبة لها أصبح عملة صعبة .. يسبب أن غالبية القبائل لم يعودوا يدفعون الخمسة أو العشرة ريالات التي اعتادتها دائماً منذ وجدت نفسها " كسيحة " وخادمة في هذا العالم خصوصاً وأنها لا تطمح في الحصول على أكثر من تلك الريالات المأمولة كما أوضحت لنا أنها تأمل في أن تعيش فقط أسوة بالآخرين .
نعمة التي تشبه إلى حد بعيد رسومات الكاريكاتير بسبب إصابتها في طفولتها البائسة بشلل الأطفال قالت أنها تقدمت من قبل خمس سنوات بطلب الحصول على راتب في الضمان الاجتماعي .. ولا تزال تنتظر النتائج رغم أن جميع " قبائل قريتها " حصلوا منذ زمن على هذه الميزة باستثناء هي ومن جاورها من بني جنسها الأخدام .. وكلما بادرت نعمة بسؤال من وصفتهم " العقال " عن حظها في الضمان الاجتماعي . أجابوها : بأن عليها أن تنفق المخبأة .. أولاً .. أي النقود المحفوظة من وجهة نظرهم .... الخ .
وعلى ما يبدو فإن حظ نعمة المشلولة التعس شمل كل جوانب حياتها دون استثناء حتى جانبها العاطفي لم يسلم هو الآخر من عبث سوء الحظ الذي لازمها منذ الطفولة .
فقبل سنوات لم تعد نعمة تذكر عددها بالتحديد رغم أنه بدأت بعد تقدمها بطلب الحصول على حق الضمان الاجتماعي عندما قابلت للمرة الأولى الشخص الذي صار فيما بعد زوجها وشريكها في الحياة على حد وصفها رغم أن زواجها لم يدم سوى شهرين فقط قبل أن يخذلها زوجها ويلوذ بالفرار , ولم تعد تراه أو تسمع عنه شيئاً . إنها لا تتذكر سوى اسمه والذي بالكاد تنطقه بلغة مفهومة بسبب " لوثة لسانها " المرتبطة بإعاقتها البدنية . كما أنها لا تعرف حتى اسم منطقته .. لقد جاء من بعيد فقط وهذا هو كل ما تعرفه نعمة عن زوجها المفقود , والذي كان دافعه الوحيد للهرب منها كما تؤكد قيامها في الأيام الأخيرة لزواجها بإخفاء الجانب الأكبر من محصولها اليومي من التسول . وعدم إعطائه ككل قريناتها المتزوجات , بالإضافة إلى يأسه المبكر من إمكانية تثبيت اسمها في قوائم الضمان الاجتماعي وهو ما يشكل من وجهة نظره إخفاقاً مريعاً في تامين لقمة عيشه عبر امرأة كسيحة تدر عليه ريالات يومية ومعاشاً ثابتاً .

مورفين الأخدام :
وليست نعمة وحدها من تعيش تلك الظروف المأساوية في ظل دولة تتفنن في تنويع شعارات العدالة والرفاهية المجتمعية بعدد التماثيل المنصوبة لقادتها " العظام " . فالأخدام في مجملهم وجوه متعددة لمأساة كبيرة وواحدة اسمها الدونية .. العنصرية ... الخ . عموماً يمكن القول أنه وفي رمضان تحديداً يستحيل على أي شخص أن يعرف بالتحديد أين ومتى وكيف ينام هؤلاء الناس " الاخدام " طيلة هذا الشهر على الأقل .. نظراً " لسعار " الحركة الشديدة والدؤوبة والمستمرة ليل نهار التي تنتاب كل فرد فيهم دون استثناء أو فرق بين طفل صغير أو امرأة مرضعة أو فتاة يافعة أو رجل مسن ... الخ .وخصوصاً اولئك الذين يقطنون في المدن الكبيرة خلافاً لقاطني الارياف طبعاً وبالصورة التي لمسناها وسط التجمعات السكنية لأخدام مدينة تعز .
فالجميع هنا في حركة مستمرة وعمل دائب في النظافة والصرف الصحي وفي تجوال وتسول لايقطعه سوى ساعات " السمر الليلي " الذي عادة ما تبدأ في رمضان عند منتصف الليل بعد ان يكون الجميع قد فرغوا تقريباً من جمع المؤن اللازمة من قات وتبغ وغيره لجلسات السمر الصاخبة والمختلطة في الغالب والصادحة كالمعتاد باغاني العود اللحجية والعدنية المميزة بالحان فيصل علوي ونائف عوض وعبود خواجة ومحمد سعد عبد الله والممزوجة بنفس الشجن التاريخي الذي يخفي ربما الرغبة الدفينة لدى هؤلاء البؤساء في اثبات وجودهم وتدعيم هويتهم المشطوبة في محيط اجتماعي يزريهم وينبذهم ويبالغ في احتقارهم التاريخي ... الخ

مهرجان الجمال الأسمر
وتغص شوارع المدينة ليل نهار بالمحتاجين الذين تتنوع أطيافهم الاجتماعية في رمضان وان ظلت الأغلبية الكاسحة منهم محسوبة لطبقة الاخدام دون منازع وذلك سعياً وراء كسرة خبز وفضلات الطعام الفائضة عن حاجة وموائد القبائل والأعيان بالإضافة إلى قطع الريالات المعدنية الشحيحة التي لا تساوي في الواقع التكاليف الحقيقية لصكها .
ولعل أهم ما يميز حركة تجوال المتسولين الدؤوبة تلك في أحياء وشوارع المدينة هو في طغيان العنصر النسائي للمتسولات اللواتي يغلب عليهن الطابع المخدماني الخاص والمتنوع من مختلف الأعمار والأشكال ايضاً .
فإلى جانب النساء المسنات والحوامل والمرضعات ممن يحملن أطفالهن ذهاباً واياباً نجد ايضاً الكثير من الفتيات اليانعات بصدروهن المتهدلة ولمسات الجمال الأسمر الراقية والمشوبة بشحوب الحاجة والنظرات الناعسة والمشاكسة احياناً بتهور يعكس بدرجة أكيدة طبيعة الإحساس الذاتي المتعاظم لديهن .
بنقاء الحرية المدنية والشخصية اللاتي يتمتعن بها " كخادمات " في محيطهن الطبقي دون غيرهن من " بيضاوات " المجتمع القبلي الارستقراطي الأبيض والمتخلف بصورة باعثة على الغثيان والتقيوء ... الخ
على الرغم مما يطال " مهرجان الجمال الأسمر " ذاك في شوارع المدينة من تشويه عمدي وتطاول ممزوج ما بين السخرية و" رجس القبائل " وتحرشهم الجنسي، الأخلاقي بالخادمات المتسولات والذي يصل في بعض حالاته إلى حد استخدام العنف بعيداً عن متعة الاكتشاف الحقيقي لمعاني الذات الإنسانية الحرة .. الخ
وعموماً يمكننا القول أن معظم أفراد هذه الشريحة المنكوبة " الاخدام " يتناولون إفطارهم وطعامهم ذكوراً وإناثاً وأطفالاً طيلة شهر رمضان في الأسواق بعيداً عن هدأة الاكواخ المكتومة العفنة والتي تصبح في رمضان أكثر فقراً وهدوءاً وسكينة باستثناء الاوقات المخصصة بالتأكيد لجلسات السمر والقات والطرب الليلية الصاخبة والتي تعد من أهم الطقوس الحياتية اليومية بالنسبة للاخدام وان عدمت وجبات الطعام الرئيسية بصورة نهائية ... الخ
ولعل هذا ما حدا بطبقات المجتمع العنصرية البيضاء الى اصدار حكمها التاريخي بعدم اهلية الاخدام على الصعيد الانساني من خلال بعض الامثال الشعبية السائدة والمتوارثة مثل المثل الشعبي القائل : الخادم يومه عيده، والمثل القائل : الخادمة حلاوة سيدها .. والكثير من الامثال الداعية لنبذ طبقة الاخدام وتكريس عزلها مثل المثل القائل : من عامل الخادم اصبح نادم ، وكذا المثل القائل : لا يغرك حسن الاخدام .. والنجاسة بالعظام ... الخ مع الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاحكام الاجتماعية الجائرة ضد الاخدام ظلت تستشهد بصفة رئيسية وتاريخية بطقوس الصخب المخدماني الخاص ومظاهر الحرية المدنية الراقية التي يعكسونها في محيطهم الطبقي ..
وكأن حرية الاخدام ونزوعهم الحضاري هو معيار التخلف الحضاري من وجهة نظر المجتمع وليس تعصبه التاريخي الأعمى .

أخدام المدينة والريف
ما من شك أبداً أن احتدام حدة التناقضات الطبقية القائمة ما بين فئات وشرائح المجتمع اليمني من جهة وطبقة الاخدام المقصية من جهة أخرى قد فرضت هي الأخرى من جهتها بعض أشكال التناقضات المادية والشكلية بين مجاميع طبقة الأخدام ذاتها . حيث الاختلافات والفوارق في طرق ووسائل العيش والحياة بين أولئك المترفين . بمادية المدن وفضلات الطعام الفائضة فيها وبين أقرانهم المتضورين جوعاً وفاقة وحرماناً على إيقاع السياط المتوحشة لسلطة الإقطاعيات السلالية والمشيخية والأسرية في المناطق الريفية والنائية المحكومة بأعراف القرون الوسطى ... الخ . فالحياة التي يعيشها أخدام المدن بكل عنفها وشقائها .. تعد نعيماً حقيقياً في نظر أقرانهم من أخدام الأرياف . مقارنة بالأوضاع المأساوية التي يتجرعونها والتي تتضاعف أعباؤها في رمضان بعدد ساعات شهر التوبة ذاته . ... الخ .
ولهذا السبب ربما تكتظ شوارع المدن الرئيسية والثانوية في رمضان بمجموعات الأخدام الوافدة من مناطق الأرياف بغرض التسول .. سعياً وراء كسرة الخبز التي تصبح شحيحة إلى درجة العدم في قراهم والمناطق النائية خلال شهر رمضان المبارك للقبائل فقط من دون الأخدام الموبوؤون بالنقمة والضياع والتشرد .
ولهذا فإنه من النادر حقاًَ أن يلحظ المرء طفلاً من أفراد هذه الفئة على امتداد الحزام الجغرافي الممتد من مناطق الشمايتين وبني عمر وبني شيبة بشقيها الشرقي والغربي . وحمولاً إلى الجيوب النائية في تخوم الصلو وخدير ... الخ . تكسو وجهه ابتسامة العيد أو بدنه الحلة الجديدة . أسوة بالآخرين .. وكما أوضح ذلك المهمش عبده أحمد مربش المقيم بقرية المقهاية / محول أعلى . مديرية خدير . الذي قال أن قريته وقرى الأخدام المجاورة مثل قرية مزقع وحبيل الظاهر ومؤتمرة تصبح خلال رمضان شبه مهجورة من قاطنيها الذين يقودون أطفالهم ونساءهم في اتجاه المدن سعياً وراء لقمة العيش .
فالأخدام في تلك القرى مجبرون في رمضان على أخذ إجازة إجبارية من أعمالهم التي تندرج هي الأخرى ضمن نطاق المهن الأجيرة والمفروضة مثل العمل الزراعي الأجير في أراضي المشائخ والخدمة في البيوت الاجتماعية وغيرها . بالإضافة إلى ما يشكله حرمان أفراد هذه الفئة المقهورة من إعانات الزكاة والضمان الإجتماعي التي يؤول خيرها . كما يؤكد عبده أحمد مربش لصالح المشائخ والقوى الاجتماعية المتنفذة فقط .. من ضغوط معيشية واقتصادية تدفعهم لمغادرة قراهم بعائلاتهم وأطفالهم والتشرد في المدن التي يفترشون أزقتها وحدائقها المهجورة حتى تنجلي غيوم شهر رمضان الذي يتناقض مع مكنوناته الدينية والروحية كشهر للرحمة بصورة صارخة فيما يتعلق بهذه الشريحة الاجتماعية المنفية في وطنها السعيد .
الأمر العجيب هو أن أجواء المأساة التاريخية المشحونة بأنفاس الموت والإذلال والتشرد لم تثن هذه الطبقة المقهورة " الأخدام " من التشبث إلى درجة الاعجاب بطابع التدين العقائدي الذين يحنون من خلاله ربما إلى نيل الانعتاق المأمول في آخرتهم المرتقبة " الجنة " كما يؤكد ذلك المهمش المتدين ( حسين قائد ثابت الشعيبي ) (20عاماً ) والذي يقطن في منطقة ( المقهاية ) محول أعلى مديرية خدير . أضاف قائلاً : إن مجتمع الأخدام المغلق تحت ضغط الدونية لا يختلف ربما عن المجتمع الآخر " القبائل " فهناك تجد المتدين والعاصي والمتساهل بالأمور الدينية الذي يغافل ضميره أحياناًَ ...
مضيفاً في الوقت ذاته إلى أن طابع التدين الذي أخذ يتوسع باضطراد في محيط فئته المنبوذة في قريته والقرى المجاورة لها لم يلغ أبداً من طابع الدونية في العلاقات المجتمعية القائمة بينهم وبقية شرائح المجتمع , وقد استشهد الأخ / حسين بذلك قائلاً : أنه وبالتعاون مع عمه والد زوجته المهمش ( عبده أحمد مربش ) تمكنا قبل عام ونيف من بناء مصلى أي مكان محدود وبدائي لإقامة شعائر الصلاة بمجهوداتهما الذاتية . نظراً لخلو القرية من مسجد للصلاة . ومع هذا فإنه ومنذ بناء المصلى لم يفكر أحد من طبقة القبائل في الصلاة معنا داخل مصلانا الذي اضطررنا لبنائه لكي نأمن جانب الازدراء والتشكيك الديني الذي يطالنا في مساجد الآخرين من طبقات المجتمع البيضاء ... الخ .
ختاماً ...
نكتفي بما أنجزناه من عرض حي في استطلاعنا هذا ليظل السؤال ذاته المفروض والمطروح في خانة الاحداث المجتمعية الساخنة والمضطربة والمفككة في ظل طغيان قيم القراصنة والاستقواء العنصري ... وغياب المناخات الإنسانية العادلة والمتكافئة هل تظل محنة الأخدام مرهونة بغياب العدالة المغتصبة في مضاجع المتخمين وجلاوزة الإنسانية، أم انه سيتعين عليهم ان يحفظوا كل المقاطع الشعرية لطيف الحرية " بابلوانيرودا " ويبدأوا في التأهب الحقيقي لانتفاضة الحرية ..؟!

 

 
     
     

 

 

 عودة للرئيسية | رجوع للأعلى | تراجع للخلف