الرئيسية | تعرف علينا | ملف العدد | إصدارات | مقالات | أعداد سابقة | أضفنا للمفضلة | ألبوم الصور

 
 
 
 
 
 

 تقرأون داخل هذا العدد. . . . رئيس التحرير : سقوط هيبة الحكومة !...       عشرون عاماً لا تزال أسرته تبحث عنه  : ما لاتعرفونه عن اختفاء ( عبد الفتاح اسماعيل ) اللغز الكبير ! . . . .           مع بروز ظاهرة اختطاف الأطفال في تعز .. نداء إلى وزير الداخلية : هل عاد السفاح آدم إلى تعز ؟ !. . . .          وزيرة التربية والتعليم بدولة قطر في حوار مع مجلة الأسرة والتنمية ! ..          المذيعة التلفزيونية ( مايسية ردمان ) أنا قدرية وأؤمن بالصدف ! . . .           الفراعنة أول من اكتشفوه ، واليمنيون يموتون بسببه .. مرض السكري؟ ...     25 عاماً تبيع اللحوح لتعيش أبنائها .. قصة كفاح امرأة ! . . .   عرفها نصف سكان المعمورة لأنها مهنة أصيلة .. حياكة المعاوز .. سياحة .. من ظفائ الملكة أروى إلى ظفائر الأسمنت .. إب الخضيرة ..!             

 
 
 
 

 
 
 
 

 
     
 

من ظفائر الملكة أروى إلى ظفائر الأسمنت :

إب الخضــيرة !

إعداد  / تغريد الحكيمي

 

عندما تتحرر نفسك من جميع ما علق بها من صعوبات وعوائق وتمسك عن التفكير متأملاً في حالة اندماج بين الزمان والمكان تكون حينها واقفاً في محافظة إب الخضيرة (الثجة).. هناك فقط تأتي الموهبة والإبداع الرباني التي تختزل أمامها كل القدرات الإنسانية على السرد والوصف .

اسم لمدينة
اختلفت الروايات حول أسباب تسمية المدينة بهذا الاسم فهناك من يقول أنها سميت بأب نسبة إلى أحد ملوكها وهو الملك (أب يرع).. وروايات أخرى تقول: أنه لم يكن ملك عليها وإنما زارها وأسماها باسمه.
صفحات أخرى من التاريخ تشير إلى أن اسمها هذا كان بسبب كثرة سقوط الأمطار عليها من شهر أغسطس (آب)، بينما روايات أخرى تحكي بأن اسمها يرجع إلى أصل فارسي كونها تتشابه في طبيعتها التضاريسية وجوها مع طبيعة الجبال الخضراء في بلاد فارس، وقد قال عنها الرحالة العربي "أمين الريحاني": (كأنها قبضة لؤلؤ على بساط أخضر).
الميلاد الحقيقي لمدينة إب
نحن في هذه الرحلة المارقة نركض خلف تاريخ الميلاد الحقيقي في أجندة تحمل هوية المدينة التي عجز التاريخ نفسه عن تحديد متى، وكيف سبقته بهذا الظهور المتألق الشامخ؟
مدينة إب الفاتنة في مخبئها القديم، فقبل الدخول إليها تمتد أمامك طريق تتلوى بين الحين والآخر فأردأ لناظريك مشهداً ربانياً بديعاً تمتزج فيه طبيعة الفصول الأربعة في آن واحد..
فما أن تصل إلى جبل سمارة الشامخ الأبي تجد شيئاً آخر لم تكن لتجده في مكان غير هذا والذي قال فيه الشاعر:
فما عسى لوصف فيك أن يضيف وما
تضيفه يا ترى الأشعار والكلمُ
فكل ماضي غداً فجراً لحاضرنا
وكل صبح لنا بالسحر يتسمُ
كأنه معبد للعاشقين وما
من عاشق زاره إلا وينسجمُ
لوحة في يدي رسام محترف
فرشاته اخضوضرت فأخضر الديمُ
واخضر يا واحة التاريخ معبدنا
واخضر واديك والواحات والقممُ
المدينة ذات الأبواب المتعددة
أبواب تواجه القادم.. الذي شتت بصره على مدرجاتها المتراكمة المنسقة وعلى جبالها الضاحكة الحية.. يقابل الزائر باب سنبل والباب الكبير الراكزة... أبواب عشعش عليها الأمان فترك الحراس مواقعهم في المدينة التي سرقت القلوب لتؤمن روعة الخائف الملهوف، فالعابرون إليها يدركون بأن دخولهم إليها رحلة ممتعة قلما يتكرر مثيل لها في الذاكرة.

مدينة السحر وسحر المدينة
الداخل إلى مدينة إب من أي مكان لابد وان يدلف من تلك الأزقة التي تؤدي به إلى روحة المدينة القديمة التي تمتاز بطابع فريد، ففي الأزقة يشعر السائر فيها بوحدانيته وتوحده مع شيء غير محسوس وحديث يدور رغم الصمت انه العشب الذي ينمو بين الأحجار المرصوفة وعلى جدران المنازل.. العشب الأخضر الذي ينمو بحياء وتبلله قطرات الندى فيتهاوى منتظراً غيثاً يزيده ألقاً وبهجة ويتربع وسط المدينة القديمة بين الفن وهو البيت الذي أسس من أجل فناني ومبدعي المدينة واليه يتوافدون ليرسموا لوحاتهم، فما على الفنانين سوى فتح النافذة لتطير ريشهم من تلقاء نفسها مبهورة بما تراه العين فيرسموا أكثر مما يتحدثون، كما تواجه الزائر أثناء سيره في الباحة الشرقية مأذنة الجامع الكبير وكأنها تحدث السماء بسر مجهول سامقة شامخة عليها رسم أجمل الرسوم والنحوت اليمنية الأصيلة والتي يرجع تاريخها إلى عهد الخليفة العمري رضوان الله عليه (عمر بن الخطاب).. وتحيط بالجامع الكبير بيوت الأهالي البسطاء المكونة من طابق أو طابقين، بينما تتركز على الأطراف الأبنية الكبيرة ذات الطابع المثالي التي استفزت كثيراً عن تعقيدات الحياة راضية عن تلك التجاعيد التي خلفها الزمان وقطرات المطر على وجه أحجارها المتبسمة لتلك الأبنية المقابلة لها.. والتي أهداها المهرجان السياحي الثالث ثوباً ابيض ناصعاً جعلها في صورة عذراء بفستان زفاف فاخر تحمل نظراتها أن التقادم والأزلية في العمر مفخرة لها.
وما أن يجلس الزائر تاركاً لقدميه فرصة للاستراحة ولاسترخاء تتسابق عيناه لمناظر أخرى خلابة.. أشجار معمرة تحولت جذورها إلى مرتكزات قادرة على الصمود أكثر من وجه عوامل التعرية خاصة ونحن نقرأ عبر سطور التاريخ وما دونه مؤرخو التاريخ من كتبهم كالاكليل وتاريخ البرعي والكندي والعقود الؤلؤية عن المدينة القديمة في إب والتي لا تزال تحتفظ بسحرها القديم وعراقتها والتي تؤهلها الآن للمزيد من الكتابات الحديثة، فما يزال المشهد حياً حتى اليوم وكأن الحبر لا يزال على الورق لم يجف بعد، فمثل هذه الصور المتدفقة من مدينة إب القديمة في كل لحظة ترفدنا بالكثير والكثير لنكتب عنها.. خاصة ونحن نراها قادرة على البقاء والوفاء لمَ لا..؟ وحديثنا التالي يتولى شرحه جبل جلس صامتاً يترقب دوره ليتحدث، جبل بعدان الذي يرتدي زيه الأخضر الرسمي وعلى وجهه شلال بعدان يتحدث عن شاعرية وصمود حصن حب وشاعرية جبل قاد وألهم الشعراء لينظموا إلى قافلة الإبداع فنظموا أروع القصائد..

جبل التعكر هو الآخر ينتظر دوره وعلى قمته القرى المتناثرة كاللآلئ فرشت بعناية حتى جعلت من ابتسامته تناسق الإنسان والطبيعة.
جبل مشورة المنتج السياحي الذي هزه الزلزال من قوة وله الأرض بالسطح تزاحم على قمته الشاهقة محبي الجمال يرسلون أحلامهم عبر فضائه الرحب لتزل حتى تلامس الوادي القابع عند المنحدر في طريق العدين.. وتصعد إلى السماء لتلامس أكفهم الغيم فلا يدركون الفرق بن دفء الوادي وبرودة السحاب، فالمشهد يجعل الجميع يلوذ بالصمت متأملين روعة المنظر فبقدر ما يدخره ذلك المنظر من روعة يصعب وضعها من شدة الانبهار يزداد جبل مشورة غروراً وافتتاناً.

متاحف وغفلة التاريخ عنها:
تتألق محافظة إب حسب تقسيمها الإداري إلى عشرين مديرية تمتاز كل مديرية بطابع خاص وتاريخ منفرد منها:
ـ مديرية جبلة عاصمة الدولة الصالحية، ومذيخرة عاصمة الدولة القرمطية، وظفار عاصمة مملكة سبأ وذي ريدان، وبعدان وفيها حصن حب الذي اتخذته الدولة الرسولية موقعاً استراتيجياً للسيطرة على المناطق الجبلية ليتركز المنطلق التوثيقي عبر مديرياتها في أربعة محاور.
مدينة إب ـ مدينة جبلة ـ مدينة ظفار ـ مدينة مذيخرة، لهذا فاقدمية التواجد والحضور الإنساني هي العوامل الأساسية في إيجاد ذلك الزخم التاريخي للمدن الإبية التي يحاصرها خطا عرض (14.5ـ 13.75) شمالاً ويلامسها خط الاستواء (44.75ـ 43.56) درجة شرقي خط جرنتش لمساحة لا تتجاوز (5210كم2)
لتبقى ذاكرة التاريخ غافلة عن متاحفها المتوزعة في مديرياتها المختلفة كمتحف السيدة أروى بنت احمد في مدينة جبلة، ومتحف ظفار في مدينة يريم، ومتحف العود في منطقة النادرة وجميعها مواقع تاريخية يرقد الماضي على أطرافها لنهضة الحاضر في أعماق أبنائها الطيبين الذين تشربوا تواجدهم من إلهية الكون الربانية، فكانت فطرة الإسلام بذرة في قلوبهم منذ البداية، وفي مطلع القرن السابع الميلادي ظهرت الدعوة الإسلامية فأسهم أبناء إب البواسل في نشر الإسلام حتى وصلت إلى بلاد الأندلس.

مساجد وأشياء أخرى
كثيرة هي المساجد الأثرية التي تشتهر بها المدينة لعل أهمها جامع السيدة أروى بنت أحمد الصليحي في جبلة والجامع الكبير في المشنة والجامع المليكي في مديرية الشعر وجامع الذاري في مديرية الرضمة وجامع دور بيعة في يريم وجامع ذي اشرع في الرضمة وجامع الهادي بن حسين في يريم وجامع إسحاق في مديرية السبرة وجامع فراس في مديرية السياني وجامع ذي اشرف في مديرية السياني ...وغيرها.. ومع ظهور الجوامع قامت المدارس الإسلامية ومن أشهرها مدرسة الجلالية العليا ومدرسة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي بجبلة، كما اشتهرت مدينة إب بانتشار الأضرحة التاريخية كضريح السيدة أروى بنت أحمد وضريح الحاج مفضل في السدة.

مدينة الحصون والكهوف التاريخية
تمتاز مدينة إب بكثرة حصونها ذات الطابع المعماري المتميز بالقوة والصلابة والتي اتخذت طابعها من جمال طبيعة المدينة.
أهم تلك الحصون حصن حب وحصن المنار في بعدان وحصن كحلان في الرضمة وحصن أريان في القفر وحصن القفله بالعدين وحصن سير بالسياني وحصن يفوز بالعدين وحصن باب المناخ بيريم وحصن المدرس بالسياني.
كما تشتهر مدينة إب بوجود العديد من الكهوف التي أبدع الإنسان اليمني القديم في نحتها ولعل أبرزها كهف اسعد في مدينة القفر.

أودية غنية بالمياه وشلالات ساحرة:
والآن لنخرج قليلاً من بناء الحجارة ونماذج التاريخ من كهوف الإبداع وحصون القدرة والصمود لنغسل هذا الصمت الذي أسرنا ونحن نتنقل من مكان إلى آخر لنصل إلى قيعان الأودية التي تعتبر هي الأخرى رحلة ائتلاف النفس مع طبيعتها الصافية، صخب نزول الشلالات التي تزخر بها مدينة إب بمديرياتها المختلفة كشلال وادي بنا وشلال العدين وشلال الريادي وشلال النقيلين وشلال جبل بعدان وشلال وادي الجنان، وفي عمق الأودية تتميز إب بخضرة أوديتها طوال العام ومنها وادي بنا في مديرية السدة الذي تغنى بجماله الكثير من الفنانين ووادي عنه بالعدين ووادي الجنان بإب ووادي الشناس ببعدان ووادي الربادي بجبلة ووادي العفسيين في ذي السفال ووادي المحقد بالمخادر ووادي السحول بإب ووادي حور القفر ووادي الزاملية بمذيخرة ووادي النقيلين بالسياني ووادي الخضراء بحبيش ووادي الدور بالعدين .

حمامات طبيعية ومتنوعة
تنتشر في محافظة إب العديد من الحمامات الطبيعية والمتنوعة في درجة حرارتها فمنها الحمامات الحارة ومنها الباردة والتي يقصدها الكثيرون بغرض الاستشفاء من بعض الأمراض كحمام الشعراتي وحمام الاسلوم بالعدين وحمام جبل بحري، أما بمديرية القفر وحدها فيوجد فيها العديد من الحمامات الطبيعية أهمها حمام الأديب وزره وحمام الصلبة وحمام الضفادع وحمام الاثاري وحمام هداع وحمام حش الكافر هبران وحمام علي الأسفل وحمام حوار السافل ...وغيرها.
الصناعات اليدوية والأسواق الشعبية
يمتهن عدد من سكان مدينة إب العديد من الحرف اليدوية ذات الطابع التقليدي والشائعة الاستخدام في حياتهم اليومية لا سيما عند أبناء إب القديمة وأبناء القرى المجاورة، منها صناعة الغزل والفخار والجص والحلي والجنابي والعزف والأسلحة وزخرفة الأخشاب.. وكلها صناعات تباع في الأسواق الشعبية التي تنتشر في أرجاء المدينة ومديرياتها المختلفة كسوق السبت والخميس في إب وسوق الأربعاء والخميس في القفر وسوق المد بجبلة وسوق النجد الأحمر بالسياني وسوق الاثنين والأربعاء والجمعة بحبيش وسوق الاثنين بالسدة وسوق الأحد والثلاثاء بالسبرة وسوق مديد العليا بالعدين وسوق الخميس بالرضمة وسوق الثلاثاء بذي السفال وسوق الأحد بالنادرة وسوق الأربعاء والجمعة بمذيخرة..

تلك هي المدينة الساحرة الخضراء الممتزجة في نفوس أبنائها العاشقة لكل قادم إليه، التي ما أن تستقبل زائريها حتى تدميهم حباً وولهاً فلا يستطيعون فراقها لفترات طويلة وحتى دان فارقوها مرغمين فإنهم يحملون معهم ذكريات جميلة تدعوهم للعودة إليها مرة أخرى.. فالعودة إليها تعد من أهم مميزاتها حتى انه قيل عنها بأنها صانعة لسحر الرجوع، كون من يزورها يتشوق لزيارتها مرات ومرات وفي كل مرة يزورها يجدها أكثر سحراً وأكثر جمالاً عما كانت عليه من قبل.


 

 
 

 
 

 

 شــبام كـوكـبان .. لحن يرتـل في السمـاء !

* استطلاع وتصوير  / محمد الظاهري

سدت الغيوم نوافذ مقيل آل شرف الدين المعلق بين السماء والأرض منذ القرن العاشر الهجري فيما جلسنا إلى بعضنا لا نصدق أي مكان ساحر نحن فيه ، حتى صاحب فكر السفر المفاجئ الذي زار المكان مرارا كان مأخوذا بالمنظر، وهو يطل من النوافذ الواسعة كلما سمحت غيوم السماء بذلك .


حين تحرك الركب المسافر بغتة لم يكن يقصد هذا المكان، ولم يكن معظمنا يعرف سوى أننا متجهون إلى الشمال الغربي من صنعاء، فقد اصطادت كلا منا مكالمة مقتضبة: "سنسافر.. هل ترافقنا؟".

تسلقنا بعض جبال على أطراف صنعاء قبل أن ينبسط الطريق أمامنا يعبر فسحة من أرض جميلة بالفطرة كانت حقولها تستعد لموسم سندسي جديد.
نحن في أجمل محافظات اليمن إذاً، (المحويت)، ورحلتنا ستأخذنا إلى الأهجر، وثلا، وربما نعرج على حجة قبل أن نبحث عن مكان آخر، وأسبوع يكفي للمرور بكل الأماكن الجميلة قبل العودة إلى زحام المدينة الذي هربنا منه.

بعد 43 كم إلى الشمال الغربي من صنعاء لاحت (شبام) المدينة القديمة متكئة إلى جبل حاد الانتصاب، تعلو قمته التي ترتفع عن سطح البحر بألفي متر، ولا يبدو أن ثمة طريقاً إليها.
(شبام) بكسر الشين هي قطعة من الخشب توضع في فم الجدي تمنعه من رضاعة لبن أمه، والشبم هو البرد، ويقال مساء شبم، ويوضح رئيس الهيئة العامة للآثار د. يوسف عبدالله وهو أحد أكثر المهتمين بالتاريخ اليمني القديم أن (شبام) اسم يمني قديم يعني المدينة الواقعة على طريقين تحبسهما وتسيطر عليهما، وقال: "كأنه تشبيه بقطعة الخشب أو العود يوضع في فم الجدي لتحبس عنه لبن أمه".

أسماء الأماكن اليمنية القديمة متشابهة، فثمة أكثر من شبام في اليمن، مثل شبام حضرموت وشبام كوكبان، وشبام حراز. ويرجع الخبراء ذلك إلى أن الأماكن كانت تسمى وفق وظائفها.
ونحن الآن في (شبام كوكبان) وكوكبان اسم الجبل القابع خلف المدينة يحيطها من ثلاث جهات.
احمد بن محمد إسحاق الهمداني في موسوعته (الإكليل) قال أن تسمية (شبام كوكبان) نسبة إلى شبام بن عبدالله بن أسعد بن جشم بن حاشد، وقال أن المدينة عرفت باسم (شبان أقيان) نسبة إلى أقيان بن زرعة بن سبأ الأصغر أحد ملوك حمير، أما اسمها القديم فهو (يحبس).
ويصفها الهمداني بأنها مدينة فيها حصون هائلة، وذروتها واسعة، فيها ضياع كبيرة، وكروم، وقال: "بها عماد حجار جاهلية تسمى أعما سال، وعليها عرش ليس بقدم أعماد مأرب"، و"هي إحدى جنات اليمن".

ويصفها قطب الدين النهزو الذي زارها مع الوزير التركي سنان باشا الذي فتحها في القرن العاشر الهجري بأنها مدينة واسعة ذات أودية فسيحة يحيط بها جبل كوكبان من الجهات الثلاث ولا يمكن الوصول إليها إلا من الجانب الرابع المستقبل للفضاء والمحصن بجدار شاهق البناء من اللبن الشديد المنسبك كالحديد طوله 5000 ذراع (32 مترا) وعرضه 15 شبرا (3 أمتار).
لم نجد من هذا السور إلى ما يدل على وجوده، رغم أن دراسة قديمة اطلعنا عليها في مركز الدراسات والتدريب المعماري الذي أمدنا ببعض المعلومات عن المكان، قام بإعدادها ثلاثة من أساتذة الهندسة في جامعة صنعاء مع فريق عملاق من المتخرجين وضعت مشروعا مفصلا عن ترميم السور.

رغم قدم المدينة "التي سكنها الحميريون" كما أشار الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب)، لا يكاد يذكر من تاريخها بالتفصيل إلا أنها مملكة بني حوال اليعفريين الذين جعلوها مركزا لحكمهم مطلع القرن الثالث الهجري.
وشيء آخر، لقد أخذها الملوك بذنب جمالها وحصانتها، وجعلوها ميدانا لكثير من صراعاتهم، وأطماعهم، كما نطمع اليوم بالتوقف فيها.
قائد الرحلة وصاحب مقترح السفر بدا وكأنه سيكتفي بالإشارة إليها وهو يخبرنا عن معالمها وشيء من تاريخها، فقد زارها مرارا، غير أن نزيف السؤال لم يتوقف، لقد سمعنا كثيرا عن مكان يزوره الناس في القمة، فمن أين يصعدون إلى هذا المتعالي؟، ثم ما ذلك المتشبث عرض الجبل، هل يعقل أنه منزل؟.

لم يكن غريبا أن تتسلق منازل اليمنيين الجبال، فهذا دأبهم، لكن أحدا منها لم يكن ملتصقا بالجبل على هذا النحو من الجنون.
حسنا.. ثمة تغيير على مسار الرحلة، سنعرج على كوكبان، وكانت الطريق أخذت دورتها حول الجزء الحديث من شبام، وصار الجبل وشبام القديمة على يميننا، لقد أشفق علينا قائد الرحلة رغم أنا لم نبدِ حماسا للتسلق مخافة الطريق الذي اكتشفنا وجوده فعلا، وعلى غير العادة.. كان الطريق معبدا.
لقد سحر المكان الألمان، كما سحرنا، غير أنهم لا يتمتعون بما نتمتع به من جحود للتاريخ، فبادروا إلى شق الطريق القديم والوحيد وتعبيده، إن الطريق نفسه يقول ذلك فهو مختلف.
حسب وصف غمدان اليوسفي من صحيفة محلية في صنعاء كان معنا: "كأن السيارة تسير على بساط من حرير"، على العكس من شوارع صنعاء العاصمة نفسها التي تصيب السيارات بالدوار لكثر انبعاجاتها وحفرها ومطباتها.
تسلقنا الطريق الأنيق بهدوء ونحن نردد "رضي الله عن الألمان"، وذكرنا وصف الهمداني في إكليله: "كوكبان جبل عظيم فيه شجر، وهو صعب المرتقى ليس له إلا طريق واحد فيه غيران وكهوف عظيمة".

الجبل المسمى (كوكبان) اليوم اسمه (ذخار) ويقع في سلسلة جبال سراة المصانع كما جاء في (صفة جزيرة العرب) وهو أعلاها، ومصانع هنا جمع مصنعة، وهي كثيرة في اليمن، ويرى البعض أنها تعني القصور والأبنية، وقيل البرك والصهاريج والمواجل (خزانات المياه) الموجودة في أعالي الجبال، ويلخصها الهمداني "تعني هنا الجبال والحصون المنيفات الذرى".
في الأعلى تنبسط القمة ولا مدخل لها إلا من مكان واحد عبر حصن كوكبان، ويحيط القمة سور تبقى بعضه واندثر معظمه فترة إهمال المدينة وهجرانها وانقطاع الطريق إليها.
على باب الحصن مات 400 ألف مقاتل من جنود الدولة العثمانية حين حاولوا اقتحام كوكبان عام 1288 هـ إبان حكم آخر أمراء آل شمس الدين الأمير أحمد بن محمد لكوكبان الذي تمكن من ردهم، أو أن حصانة المدينة ردتهم، حسن حتى الجمال يجيد القتل أحيانا.
أما من بنى الحصن وضرب السور حول قمة الجبل فالأمير يعفر بن عبدالرحمن الحوالي قبل عام 200 للهجرة، وجعلها دار ملكه وحامية لمدينة (شبام).
يقال أيضا أنها سميت كوكبان لأنه كان بها قصران مطرزان بالاحجار الكريمة اسم كل منهما كوكب، وقيل أنها تعني شدة الارتفاع ورؤية المباني العالية حين تضاء نوافذها مساء كأنها كواكب.
جالت أقدامنا بالمكان الساحر، ونظرنا من أعلى إلى مدينة (شبام) الساكنة في السفح ، وتذكرت ما ورد في دراسة قرأتها في مركز الدراسات والتدريب المعماري التابع للهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية في صنعاء .

فالجامع الكبير في منتصف المدينة من أوضح معالمها، ومنه تنطلق المدينة في كل اتجاه ، وإليه تسير كل طرقها، وتقول الدراسة أن هذا يشير إلى أن المدينة الموجودة اليوم ليست المدينة التي سكنها الحميريون وغيرهم قبل العصر الإسلامي، وأنها قامت على أنقاضها.
الجو في الأعلى أكثر برودة، وكما قال (الهمداني) يصف اعتدال هواء كوكبان بأنه يمكن حفظ الطعام لأيام دون أن يفسد .
على حافة الجبل وقفنا مليا مأخوذين بالمنظر باستثناء الزميل ( نبيل الاسيدي) الذي يخشى الأماكن المرتفعة، لكنه لم يعدم مرأى بساط من الجمال وأرض مطرزة بالحقول بعضها أخضر لونه والبعض ينتظر.

إنك هنا لست على مجرد قمة جبل، فمن حقك أن تغيض الطيور المحلقة على ارتفاع أقل بقليل من 2000 متر فوق مستوى سطح البحر، لأنك تنظر إلى ظهورها بدلا من الحملقة إلى بطونها حين تكون في الأسفل، لكن أين المنزل الملتصق بالجبل والمعلق بين السماء والأرض .
الطريق إليه فسيحة ويسيرة رغم وعورتها، وإن تأخرنا بسبب تلكؤ (الأسيدي) الذي التصق بالجبل مخافة أن تدفعه نسمات الهواء إلى أسفل .
حين وصلنا مررنا بحدائق أهملها أحفاد (شرف الدين) الذين ما زالوا يشرفون على المكان وزهرة برية مدلاة من جرف على الطريق تقطر من عصارة الجبل ماء زلال .
يسمى المنزل (غيل علي)، وبعد شق الطريق حاول أصحابه جعله فندقا أو استراحة (غيل علي) لكنهم سرعان ما أهملوه قليلا .

حيث جلسنا مأخوذين بجمال ما تبوح به نوافذ المكان المحاصر بالغيوم، راودني هاجس غريب، "هل نقرض الشعر؟"، ولولا أني أضعف الموجودين خبرة بالأدب وفنونه لطرحت المقترح ، رغم أن المكان يكاد يغني من فرط سحره.
وكما فكرت ، يبدو أنه فكر غيري، غير أن ذاكرة (الاسيدي) رغم شاعريته لم تسعفه بغير (كجلمود صخر حطه السيل من عل) ، ربما دفعه إلى ذلك شعوره بالدار من علو المكان الذي حاول التشاغل عنه بشفط أرجيلته .
ثمة ما يمكن قوله أيضا، فالمكان لم يلهب شاعريتنا فقط، يقال أن آلة العود كانت تنتقل في مقائل أهل كوكبان إلى وقت قريب من شخص إلى آخر كلهم يجيد العزف والغناء، وكلهم شعراء .
ومن هذا المقيل بالذات انسابت الكثير من قصائد وغنائيات الشاعر بن شرف الدين وأكثرها عذوبة ورقة .
 

 
 

 
     

 

 

 عودة للرئيسية | رجوع للأعلى | تراجع للخلف

 

كافة الحقوق محفوظة لـ " مجلة الأسرة والتنمية " تعز - الجمهورية اليمنية