|
شــبام
كـوكـبان .. لحن يرتـل في السمـاء !
*
استطلاع وتصوير /
محمد الظاهري
سدت
الغيوم نوافذ مقيل آل شرف الدين المعلق بين السماء والأرض
منذ القرن العاشر الهجري فيما جلسنا إلى بعضنا لا نصدق أي
مكان ساحر نحن فيه ، حتى صاحب فكر السفر المفاجئ الذي زار
المكان مرارا كان مأخوذا بالمنظر، وهو يطل من النوافذ
الواسعة كلما سمحت غيوم السماء بذلك .
حين تحرك
الركب المسافر بغتة لم يكن يقصد هذا المكان، ولم يكن
معظمنا يعرف سوى أننا متجهون إلى الشمال الغربي من صنعاء،
فقد اصطادت كلا منا مكالمة مقتضبة: "سنسافر.. هل ترافقنا؟".
تسلقنا بعض
جبال على أطراف صنعاء قبل أن ينبسط الطريق أمامنا يعبر
فسحة من أرض جميلة بالفطرة كانت حقولها تستعد لموسم سندسي
جديد.
نحن في أجمل محافظات اليمن إذاً، (المحويت)، ورحلتنا
ستأخذنا إلى الأهجر، وثلا، وربما نعرج على حجة قبل أن نبحث
عن مكان آخر، وأسبوع يكفي للمرور بكل الأماكن الجميلة قبل
العودة إلى زحام المدينة الذي هربنا منه.
بعد 43 كم إلى
الشمال الغربي من صنعاء لاحت (شبام) المدينة القديمة متكئة
إلى جبل حاد الانتصاب، تعلو قمته التي ترتفع عن سطح البحر
بألفي متر، ولا يبدو أن ثمة طريقاً إليها.
(شبام) بكسر الشين هي قطعة من الخشب توضع في فم الجدي
تمنعه من رضاعة لبن أمه، والشبم هو البرد، ويقال مساء شبم،
ويوضح رئيس الهيئة العامة للآثار د. يوسف عبدالله وهو أحد
أكثر المهتمين بالتاريخ اليمني القديم أن (شبام) اسم يمني
قديم يعني المدينة الواقعة على طريقين تحبسهما وتسيطر
عليهما، وقال: "كأنه تشبيه بقطعة الخشب أو العود يوضع في
فم الجدي لتحبس عنه لبن أمه".
أسماء الأماكن
اليمنية القديمة متشابهة، فثمة أكثر من شبام في اليمن، مثل
شبام حضرموت وشبام كوكبان، وشبام حراز. ويرجع الخبراء ذلك
إلى أن الأماكن كانت تسمى وفق وظائفها.
ونحن الآن في (شبام كوكبان) وكوكبان اسم الجبل القابع خلف
المدينة يحيطها من ثلاث جهات.
احمد بن محمد إسحاق الهمداني في موسوعته (الإكليل) قال أن
تسمية (شبام كوكبان) نسبة إلى شبام بن عبدالله بن أسعد بن
جشم بن حاشد، وقال أن المدينة عرفت باسم (شبان أقيان) نسبة
إلى أقيان بن زرعة بن سبأ الأصغر أحد ملوك حمير، أما اسمها
القديم فهو (يحبس).
ويصفها الهمداني بأنها مدينة فيها حصون هائلة، وذروتها
واسعة، فيها ضياع كبيرة، وكروم، وقال: "بها عماد حجار
جاهلية تسمى أعما سال، وعليها عرش ليس بقدم أعماد مأرب"،
و"هي إحدى جنات اليمن".
ويصفها قطب
الدين النهزو الذي زارها مع الوزير التركي سنان باشا الذي
فتحها في القرن العاشر الهجري بأنها مدينة واسعة ذات أودية
فسيحة يحيط بها جبل كوكبان من الجهات الثلاث ولا يمكن
الوصول إليها إلا من الجانب الرابع المستقبل للفضاء
والمحصن بجدار شاهق البناء من اللبن الشديد المنسبك
كالحديد طوله 5000 ذراع (32 مترا) وعرضه 15 شبرا (3 أمتار).
لم نجد من هذا السور إلى ما يدل على وجوده، رغم أن دراسة
قديمة اطلعنا عليها في مركز الدراسات والتدريب المعماري
الذي أمدنا ببعض المعلومات عن المكان، قام بإعدادها ثلاثة
من أساتذة الهندسة في جامعة صنعاء مع فريق عملاق من
المتخرجين وضعت مشروعا مفصلا عن ترميم السور.

رغم قدم
المدينة "التي سكنها الحميريون" كما أشار الهمداني في
كتابه (صفة جزيرة العرب)، لا يكاد يذكر من تاريخها
بالتفصيل إلا أنها مملكة بني حوال اليعفريين الذين جعلوها
مركزا لحكمهم مطلع القرن الثالث الهجري.
وشيء آخر، لقد أخذها الملوك بذنب جمالها وحصانتها، وجعلوها
ميدانا لكثير من صراعاتهم، وأطماعهم، كما نطمع اليوم
بالتوقف فيها.
قائد الرحلة وصاحب مقترح السفر بدا وكأنه سيكتفي بالإشارة
إليها وهو يخبرنا عن معالمها وشيء من تاريخها، فقد زارها
مرارا، غير أن نزيف السؤال لم يتوقف، لقد سمعنا كثيرا عن
مكان يزوره الناس في القمة، فمن أين يصعدون إلى هذا
المتعالي؟، ثم ما ذلك المتشبث عرض الجبل، هل يعقل أنه منزل؟.
لم يكن غريبا
أن تتسلق منازل اليمنيين الجبال، فهذا دأبهم، لكن أحدا
منها لم يكن ملتصقا بالجبل على هذا النحو من الجنون.
حسنا.. ثمة تغيير على مسار الرحلة، سنعرج على كوكبان،
وكانت الطريق أخذت دورتها حول الجزء الحديث من شبام، وصار
الجبل وشبام القديمة على يميننا، لقد أشفق علينا قائد
الرحلة رغم أنا لم نبدِ حماسا للتسلق مخافة الطريق الذي
اكتشفنا وجوده فعلا، وعلى غير العادة.. كان الطريق معبدا.
لقد سحر المكان الألمان، كما سحرنا، غير أنهم لا يتمتعون
بما نتمتع به من جحود للتاريخ، فبادروا إلى شق الطريق
القديم والوحيد وتعبيده، إن الطريق نفسه يقول ذلك فهو
مختلف.
حسب وصف غمدان اليوسفي من صحيفة محلية في صنعاء كان معنا:
"كأن السيارة تسير على بساط من حرير"، على العكس من شوارع
صنعاء العاصمة نفسها التي تصيب السيارات بالدوار لكثر
انبعاجاتها وحفرها ومطباتها.
تسلقنا الطريق الأنيق بهدوء ونحن نردد "رضي الله عن
الألمان"، وذكرنا وصف الهمداني في إكليله: "كوكبان جبل
عظيم فيه شجر، وهو صعب المرتقى ليس له إلا طريق واحد فيه
غيران وكهوف عظيمة".
الجبل المسمى
(كوكبان) اليوم اسمه (ذخار) ويقع في سلسلة جبال سراة
المصانع كما جاء في (صفة جزيرة العرب) وهو أعلاها، ومصانع
هنا جمع مصنعة، وهي كثيرة في اليمن، ويرى البعض أنها تعني
القصور والأبنية، وقيل البرك والصهاريج والمواجل (خزانات
المياه) الموجودة في أعالي الجبال، ويلخصها الهمداني "تعني
هنا الجبال والحصون المنيفات الذرى".
في الأعلى تنبسط القمة ولا مدخل لها إلا من مكان واحد عبر
حصن كوكبان، ويحيط القمة سور تبقى بعضه واندثر معظمه فترة
إهمال المدينة وهجرانها وانقطاع الطريق إليها.
على باب الحصن مات 400 ألف مقاتل من جنود الدولة العثمانية
حين حاولوا اقتحام كوكبان عام 1288 هـ إبان حكم آخر أمراء
آل شمس الدين الأمير أحمد بن محمد لكوكبان الذي تمكن من
ردهم، أو أن حصانة المدينة ردتهم، حسن حتى الجمال يجيد
القتل أحيانا.
أما من بنى الحصن وضرب السور حول قمة الجبل فالأمير يعفر
بن عبدالرحمن الحوالي قبل عام 200 للهجرة، وجعلها دار ملكه
وحامية لمدينة (شبام).
يقال أيضا أنها سميت كوكبان لأنه كان بها قصران مطرزان
بالاحجار الكريمة اسم كل منهما كوكب، وقيل أنها تعني شدة
الارتفاع ورؤية المباني العالية حين تضاء نوافذها مساء
كأنها كواكب.
جالت أقدامنا بالمكان الساحر، ونظرنا من أعلى إلى مدينة (شبام)
الساكنة في السفح ، وتذكرت ما ورد في دراسة قرأتها في مركز
الدراسات والتدريب المعماري التابع للهيئة العامة للمحافظة
على المدن التاريخية في صنعاء .
فالجامع
الكبير في منتصف المدينة من أوضح معالمها، ومنه تنطلق
المدينة في كل اتجاه ، وإليه تسير كل طرقها، وتقول الدراسة
أن هذا يشير إلى أن المدينة الموجودة اليوم ليست المدينة
التي سكنها الحميريون وغيرهم قبل العصر الإسلامي، وأنها
قامت على أنقاضها.
الجو في الأعلى أكثر برودة، وكما قال (الهمداني) يصف
اعتدال هواء كوكبان بأنه يمكن حفظ الطعام لأيام دون أن
يفسد .
على حافة الجبل وقفنا مليا مأخوذين بالمنظر باستثناء
الزميل ( نبيل الاسيدي) الذي يخشى الأماكن المرتفعة، لكنه
لم يعدم مرأى بساط من الجمال وأرض مطرزة بالحقول بعضها
أخضر لونه والبعض ينتظر.
إنك هنا لست
على مجرد قمة جبل، فمن حقك أن تغيض الطيور المحلقة على
ارتفاع أقل بقليل من 2000 متر فوق مستوى سطح البحر، لأنك
تنظر إلى ظهورها بدلا من الحملقة إلى بطونها حين تكون في
الأسفل، لكن أين المنزل الملتصق بالجبل والمعلق بين السماء
والأرض .
الطريق إليه فسيحة ويسيرة رغم وعورتها، وإن تأخرنا بسبب
تلكؤ (الأسيدي) الذي التصق بالجبل مخافة أن تدفعه نسمات
الهواء إلى أسفل .
حين وصلنا مررنا بحدائق أهملها أحفاد (شرف الدين) الذين ما
زالوا يشرفون على المكان وزهرة برية مدلاة من جرف على
الطريق تقطر من عصارة الجبل ماء زلال .
يسمى المنزل (غيل علي)، وبعد شق الطريق حاول أصحابه جعله
فندقا أو استراحة (غيل علي) لكنهم سرعان ما أهملوه قليلا .
حيث جلسنا
مأخوذين بجمال ما تبوح به نوافذ المكان المحاصر بالغيوم،
راودني هاجس غريب، "هل نقرض الشعر؟"، ولولا أني أضعف
الموجودين خبرة بالأدب وفنونه لطرحت المقترح ، رغم أن
المكان يكاد يغني من فرط سحره.
وكما فكرت ، يبدو أنه فكر غيري، غير أن ذاكرة (الاسيدي)
رغم شاعريته لم تسعفه بغير (كجلمود صخر حطه السيل من عل) ،
ربما دفعه إلى ذلك شعوره بالدار من علو المكان الذي حاول
التشاغل عنه بشفط أرجيلته .
ثمة ما يمكن قوله أيضا، فالمكان لم يلهب شاعريتنا فقط،
يقال أن آلة العود كانت تنتقل في مقائل أهل كوكبان إلى وقت
قريب من شخص إلى آخر كلهم يجيد العزف والغناء، وكلهم شعراء
.
ومن هذا المقيل بالذات انسابت الكثير من قصائد وغنائيات
الشاعر بن شرف الدين وأكثرها عذوبة ورقة .
|