|
زواج
بعجل .. ولثمة خانقة !
ما نشاهده في
أوساط المتعلمين من الناس ، يعزز من تكريس ثقافة التخلف
المجتمعي ، واجترار الماضي وما يحمله من تقاليد وأعراف
بالية ومظاهر بؤس وحرمان وظلم وتخلف ، وما نراه من قصص
اجتماعية مأساوية تطال الطفولة وتنافس لوحة ( الطفل الباكي
) ، ومازالت العديد من المحاولات تغتال ماتبقى من ملامح
الطفولة ، وتغتصب البسمة البريئة من وجوه أطفالنا ، مازال
هناك من يحجب عليهم رؤية النور الذي منحته لهم الحياة .
هكذا كنتُ
أستمع كثيراً وأنا أشاهد صباح كل يوم الأطفال وهم يحملون
أمتعتهم متجهين إلى مدارسهم ، وأسترجع معهم ذكريات طفولتي
، وأستذكر تلك اللحظات الجميلة ، كانت من بين هؤلاء
الأطفال طفلة واعدة ، حالمة بالحياة السعيدة ، سنُّها
لايتعدى التاسعة ، تنظر أليّ وتبتسم ابتسامة مفعمة بطفولة
بريئة وتنادي ( عمو عمو ) ثم وبدون مقدمات اختفت تلك
الطفلة ، وعندما سألت عنها أهل بيتي ، أجابوني بأنها قد
أرتدت الخمار ، وقد أصبحت مخطوبة على شاب خريج جامعي !!
وقعت تلك
الإجابة في أذناي كالصاعقة وبدأتُ أتساءل .. ! كيف ستدخل
تلك الطفلة ألى عش الزوجية وهي ماتزال طفلة صغيرة ، مجدولة
الظفائر ، تنظر إلى الحياة كأرجوحة وكلعبة ؟! ثم كيف
ستتزوج وتعاشر رجلاً وتمنحه المشاعر والأحاسيس العاطفية
والحنان والاهتمام ؟! وهي لاتزال طفلة بريئة تفتقر إلى
الحنان والدلال ! لم تذق طعم الحياة بعد ، كبرت هذه الطفلة
قبل أوانها لأن أهلها أرادوها أن تكبر ، وتنجب أبناء وبنات
يكونون رجالاً ونساء في سن الطفولة ! فبدلاً من أن تحمل
هذه الطفلة القلم تحمل المكنسة ، وبدلاً من اللعب مع
الأطفال تغسل الثياب والأواني المنزلية ، وهي ببراءتها
تعتقد أنها ذاهبة لممارسة لعبة العروس والعروسة ، بينما هي
ذاهبة إلى المجهول .
نقول للآباء :
إن زواجاً مبكراً كهذا هو توديع عائلي أشبه بتوديع جنازة ،
ومشهد مأساوي فيه تنتهك حقوق الإنسانية قاطبة ، وتحرم
الفتيات من حقهن الشرعي في الاختيار ، وحقهن في التعليم ،
وتُهدَّد حياتهن بمخاطر صحية واجتماعية ونفسية ، ويُنجبن
أطفالاً غير أصحاء جسدياً ولا ذهنياً .
إن على
الحكومة ومنظمات المجتمع المدني واجب السعي إلى الاهتمام
بالفتيات وتنمية قدراتهن ومهاراتهن في شتى مجالات الحياة ،
وإكسابهن المهن الحرفية التي تدر لهن الدخل ، ليتخلصن من
الممارسات الاجتماعية التعسفية ، كما أننا نحتاج أيضاً إلى
وقفة خاصة من قبل الدعاة وخطباء المساجد لتوضيح الصورة
الحقيقة لنظرة الإسلام ومقاصده لمثل هذه القضايا والمشكلات
التي تصيب المجتمع بشلل التخلف ، وتزج به في مستنقع الفقر
إلى الأبد ، فالعلم يجب أن يتحول إلى ثقافة نمارسها على
أرض الواقع ، وليس مجرد معلومات مبعثرة هنا وهناك .

|