|
أم
العروس هي الحاكم والجلاد :

عريس
لقطة
!
*
تحقيق / سامية النبهاني
خرجت أفراح
وأعراس مجتمعنا من نطاق المنزل الواحد إلى الصالات والخيام
الجاهزة والتي دخل بعضها موسوعة الأرقام القياسية ،
كالفنادق الضخمة الشهيرة واستئجار فرقة بالشيء الفلاني
ناهيك عن المشروبات والطعام .. كل هذا تقدر قيمته بـ 500
ألف ريال ، هذا اقل تكلفة وما خفي كان أعظم ، عدا ذلك ما
زالت بعض الأسر اليمنية تغالي بالمهور وتطرح العراقيل أمام
الخاطب ، والكثير الكثير من شبابنا يعاني الأمرين ليجمع
مهر العروسة الذي يقدر بنصف مليون ريال ، والباقي يأتي على
شكل فواتير .
دون زفة ولا زغاريد
أحمد الخليدي .. رجل مقيم في بريطانيا منذ 36 سنة يأتي كل
سنة إلى اليمن ليزوج أحد أبنائه .. يقول زوجت ابني الكبير
من بنت خالته زواج عميان ، فنحن مستعجلون على السفر ليس
هناك وقت للأفراح ، رغم أنني قادر أن اعمل ليلة عمر له في
أكبر فندق ، لكن لماذا البذخ والتبذير ، فما يصرفه على
المباهاة بين الناس هو أحوج بها ليقضي شهر عسل في ربوع
بريطانيا ، أبنائي كلهم نفس الحكاية اليوم الأول نخطب
ونعقد وبعد أسبوع العرس وتكون كالعادة حفلة بسيطة بين
الأهل بعدها يستعد للسفر والحمد لله كلهم زيجاتهم ناجحة
دون حنحنة ولا طنطنة .
الحاكم والجلاد
( ف . ط ) يروي مأساة عروسه بكل حسرة وألم متحدثاً بلسان
حال كل الشباب فيقول : خسارتي 700 ألف ريال وكلها ديون على
رأسي فأم زوجتي اشترطت عليّ أن اعمل لبنتها عرس ما حصلش في
تعز فرقة وصالة وشهر عسل في فندق خلاف المهر والذهب والشقة
.. حاولت معها كثيراً بالود بالكلام الطيب ما فيش فائدة
رأسها وألف سيف إلا تفتخر ببنتها وتكيد العواذل ..
والنتيجة أنا الخسران مرت أربع سنوات وحتى الآن وأنا أسدد
في ديوني ، هذه ضريبة الزواج في هذه الأيام ديانة كل يوم
تطرق الباب ؟! وفتيات عوانس بسبب المغالاة بالمهر وطمع
الآباء .
اقتناع تام
هناء سيدة تبلغ الثلاثين من العمر قالت : تعرفت على زوجي
أيام الدراسة ، تخرجنا معاً والتحقت بالعمل في مجال
التدريس وهو في قطاع خاص.. قررنا الزواج لأنه كان النهاية
الطبيعية لعلاقتنا البريئة ، كنت سعيدة جداً عندما أعلنا
الخطبة وبدأنا نستعد للزواج ، لم يكن الاستعداد يتطلب مني
شخصياً سوى الفستان وثياب العرس فما عدا ذلك لم أفكر أبداً
في مظاهر الاحتفال والعرس لأننا كنا ضد فكرة الهرج والقيل
والقال التي تصحب العرس ، كنت مقتنعة بزواجي السكيتي واثقة
من السعادة التي سألقاها معه ، لذلك سهلت له أنا ووالدي كل
شيء ولم اطلب مهراً كبيراً أو غالياً وقفت في وجهه والدتي
التي اعتبرتني مجنونة كوني ارفض الاحتفال بليلة العمر ،
فضلت أن استغل مصاريف الليلة في تجهيز بيتنا الصغير والحمد
لله هأنا الآن أعيش مرتاحة وسعيدة معه ، يكفي الاحترام
والحب المتبادل , وغير ذلك ما هي إلا كماليات وبذخ على
الفاضي , فالزواج يدوم بالعشرة والاحترام والتكافؤ بين
الأزواج وليس بالمهر الغالي وقضاء ليلة العمر بفندق ضخم أو
السفر للخارج , ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه .
فرحة عمر ظلت طويلاً
في الماضي كانت الأعراس بسيطة وغير مكلفة , وكانت السعادة
تدوم حتى بعد العرس , فالعروس راضية بما حصلت عليه ، همها
الوحيد الستر والأمان في ظل رجل يحميها من القيل والقال ,
وأطفال يكللون هذا الزواج بالنجاح وزيادة المحبة بين
الطرفين . فقد كانت تجربة عادية بالنسبة لهم مع أفراح
الأهل وتجمعهم مع بعض .
الحجة خديجة
متزوجة منذ ما يقارب الخمس والثلاثين سنة , لها عشرة أولاد
زوجت خمسة منهم , تقول عن زواجها السعيد تزوجني أبو محمد
وعمري 15 سنة وكان مهري 300 ريال فقط لا غير , عشنا في
غرفة واحدة حتى أنجبت أبنائي الخمسة وظلينا بنفس الغرفة .
كانت أياماً جميلة ولن أنساها فقد أهداني ليلة العرس راديو
صغير حتى أسمع عبد الحليم وأم كلثوم فأنا أعشق أغانيهم
القديمة الجميلة . وحتى الآن أحتفظ بالراديو فهو ذكرى
جميلة وعزيزة والأجمل أنها أتت في ليلة العمر .
أنا أستغرب على بنات هذه الأيام يكلفن أزواجهن فوق المحتمل
والشاب مسكين من أين يأتي بالمال , لماذا لا توجد القناعة
. مادامت المحبة والاحترام موجودة , حرام الشاب يتحمل فوق
طاقته من بداية العمر , ويظل بقية أيامه وشهوره يسدد في
ديون كانت العروسة هي سببها . بدل شهر عسل خال من المشاكل
والهموم .
" وعيزنا نرجع زي زمان قل للزمان ارجع يا زمان " شدا بها
سعيد الموظف البسيط الذي خسركل ما جمعه في ليلة العرس تمنى
أن يرجع الزمان قليلاً للوراء لكن صعب إرجاعه , حتى يتزوج
في زمان الرخص , فكل ما جمعه من وظيفته خلاف الجمعيات ورهن
بقعة الأرض ليتزوج من بنت المدينة ضاع في الصالة وفستان
العروس والكوفيرة وحق المعازيم .
يتنهد ويطلق لسانه معبراً عن ذلك ... طول عمري أحلم بأن
يكون لي بيت مستقل وزوجة وأولاد , ولم أكن أتوقع بأن
الزواج سينظف جيوبي ويخلينا آكل رغيف وزبادي ؟ !
لو كنت تزوجت من بنت القرية كان أخرج لي فالمهر بسيط
والعرس لا يكلف أكثر من 150 ألف بالكثير وإذا جمعتها مع
مصاريف الحفلة تطلع 200 ألف بالكثير , والأجمل في أعراس
القرى أن الأهل والجيران وأصحاب القرية , يجابرون العريس
بالمال . ويساعدونه في يوم الرابع بالأكل والخدمة والكل
يمد يده بالمساعدة , هذا بحد ذاته يقضي ويفي بالحاجة ,
والمعازيم لا يدخل أحد منهم إلا ومد يده بظرف به مال وهذه
العادات نفتقدها في المدينة , فكل واحد بعد نفسه الأنانية
وحب الذات تملأ القلوب وأصبح كل واحد مهتم بنفسه وحاله ..
؟ !
أفضل الزواج التقليدي
أحد الشباب العازب ورمز لاسمه (ف .أ ) أنا شاب جامعي حلمي
كحلم كل شاب الاستقرار في حياتي , لكنني لم أكمل دراستي
بعد , وعندما أكمل , متى سأتوظف ومتى أجمع المهر ؟ وتكاليف
العرس كل هذا لن يتم إلا بعد أن أعدي الثلاثين والأهم من
سترضى بشاب لا يملك بيتاً مستقلاً , وإيجار البيوت أصبح في
تزايد ! وحفلة عرس دون صالة .
فالبنت تفضل الاستقرار في بيت لحالها ولا تريد العيش مع
أهل الزوج , أنا إذا أردت الزواج سأتزوج من الريف أهم حاجة
تكون متعلمة وفاهمة وبنت ناس وتتحمل العيش مع الحياة
بحلوها ومرها , أما بنت المدينة فهي إن تحملت شهراً أو سنة
على الأقل بعدها سرك عند كل الأهل , فالأفضل زواج بسيط
بنظري ؟ !
وآخرون يفضلون المدرسة , فهي تساعد في مصاريف البيت
وتكاليف المعيشة وبذلك يضرب عصفورين بحجر واحد حتى وإن خسر
المال يتعوض من جهة أخرى ؟ !! زواج مصلحة !!
الآراء كلها تؤيد الزواج العادي البسيط , وكل إناء ينضح
بما فيه فالمقتدر يعمل ما يريد , والإنسان العادي تتراكم
عليه الهموم بمجرد التفكير في الزواج , والبعض الآخر يظل
عازباً 35 سنة حتى يكون أو " يكوم " نفسه , كل هذا ومع
اجتماع كل الأسباب التي تعيق الزواج المبكر للشباب لا
يسعنا إلا أن نقول لآبائنا وأمهاتنا , الرسول عليه الصلاة
والسلام قال في حديثه " من أتاكم خاطباً فانظروا إلى أصله
ودينه وخلقه .
والمرأة أيضاً لا ينظر لها إلا من النواحي الأخلاقية
والدينية فاظفر بذات الدين ثربت يداك " ، ولعل ما يحير
العقل ويشد التفكير كثيراًَ ، كثرة عدد العوانس في بلادنا
فالمهور زادت والتكاليف ارتفعت والأهل يفضلون صاحب المال
على الإنسان البسيط الموظف أو محدود الدخل ..وبنات مثل
الرز متى سيكون الزواج وكيف ؟ كل هذا لماذا ؟! هل لأن
التطور فرض ذلك أم لأننا شعب متقلب ومزاجي ويتبع كل جديد
دون النظر إلى عواقبه الوخيمة ، دعونا نرجع لأصول الدين
ولا نتشبه بالآخرين ، لماذا ننظر للمال فهو زائل أما
الأخلاق والعشرة الجيدة والاحترام هم الباقيات والحمد لله
أن بلدنا بلد متدين ، بغض النظر عن عيوب الآباء ومغالاتهم
في بناتهم وكأنهن سلعة تجارية إلا أنهن أحرار في الطلاق
متى ما أردن ذلك ولها نفقتها عكس الهند مثلاً فالمرأة تظل
مع زوجها طيلة العمر سواء احبته أم لا ، لذلك أكثر نسبة
انتحارات للنساء في الهند فالمرأة تحرق نفسها إذا كرهت
عشرة زوجها ، وان عادت لبيت أبيها تظل عانساً طول عمرها
فلن يتزوجها أحد فهكذا وفي كلتا الحالتين هي ميتة روحياً ،
فالطلاق ممنوع منعاً باتاً .. أما في الصين فالفتاة إذا
بلغت سن الخامسة والعشرين تعتبر عانساً ويطلق عليها كعكة
العيد ، كناية على أنهم في الأعياد لا يلتفتون للكعك بل
للمشروبات واللحوم هذه عادة موجودة في بلد الانفتاح
الصناعي والتقدم العلمي .
رأي علم النفس وعلم الاجتماع
يؤكد أخصائيو علم النفس بأن بعض المظاهر الاحتفالية بيوم
العرس مسألة طبيعية جداً إلا ان المشكلة تكمن حينما تتحول
هذه العادة إلى إهدار للمال والطاقة والوقت ، فتصبح عادة
عبثية لا معنى لها ، وهذا ما يحصل أيامنا هذه ، إذ يفقد
الاحتفال معناه وتضفي عليه المظاهر والبهرجة ، خاصة اننا
نعرف أن كثيراً من الأسر تتورط في ديون حقيقية يستمر
تسديدها لسنوات طوال ، وهذا ما لا يمكنك تبريره لا شرعاً
ولا اجتماعياً .
المثقف والعرس ورأي علم الاجتماع
أما عن أسباب رفض المثقف للاحتفال ، وهذا يحدث نادراً في
كون المثقف عموماًَ يعتبر ان علاقته بالآخر أي الزوج أو
الزوجة علاقة خاصة جداً وحميمة ولا تستدعي ان يشارك فيها
احد ، أو ربما لأن العامل الثقافي يتجاوز دائماً كل ما هو
مظهري ، علاوة على النظرة التقليدية للأمور ، مما يجعل
المثقفين عموماً في اعتقاد علماء الاجتماع دائماً يفتقدون
في كل شيء ربما في ذلك العرس ، لأن الحدث بالنسبة لهم يبقى
حميماً وخصوصاً لا يقترن بالضرورة بالبهرجة والزينة ويكفي
فرحتهم ببعض .
ومن وجهة نظر الشرع يقول الشيخ فضل محمد بن محمد نصر
الخليدي إمام وخطيب مسجد وادي الحصب : المهر في الإسلام
عربون مودة ورمز احترام وتكريم للمرأة شرعة الباري جل وعلا
كهدية يقدمها الرجل لمخطوبته حين يريد الاقتران بها
اعترافاً منه بإنسانيتها وكرامتها بقوله وتقدست أسماؤه قال
تعالى ( وآتوا النساء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَه ) أي ادفعوا
لهن مهورهن عطية ومنحة عن طيب نفس والزواج لابد فيه من
المهر وهو عطاء يديم المحبة ويوثق عرى الزوجية ويعين على
نفقات مطالب الزواج .
المهر وسيلة لا غاية
المهر وسيلة وليس غاية ولهذا خص ديننا الحنيف على تيسيره
وتسهيله قال تعالى ( وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من
عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يُغْنِهِم الله من فضله )
، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم بناته بمهر يسير ،
وتزوج بعض الصحابة على وزن نواة من ذهب وبعضهم على خاتم من
حديد وزوج الرسول صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء من علي
على درع من الدروع كما زوج رجلاً على تعليم عشرين آية من
القرآن يعلمها لامرأته المخطوبة .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن أعظم النكاح بركة
أيسره مؤنة ) أي أقله كلفة وأيسره مهراً ( خير النكاح
أيسره ) وخيرهن أيسرهن صداقاً ومن علامات البركة والخير
والسعادة في المرأة أن يكون مهرها قليلاً يسيراً .
إن المغالاة
في المهور جرت وبالاً وخيماً على مجتماعتنا الإسلامية من
جراء بعض الآباء وتعنت بعض الأمهات حيث جعلوا المهر هو
الأساس في بناء عش الزوجية فمن دفع مهراً أكبر كان هو
الأحق بالتزويج بالبنت ، وكأن الفتاة سلعة تقدم لمن يدفع
ثمناً اكبر فيها دون النظر إلى صفات الخاطب هل هو كفء لهذه
الفتاة أم غير كفء ، وهل فيه من الدين والأخلاق الكريمة ما
يصون عفاف ابنتهم ويحجزه عن المحارم والموبقات أم لا ، وقد
أصبحت هذه المغالاة في المهور سبباً لعنوسة كثير من
الفتيات ولو غفل الآباء والأمهات من تشريع المهر لكفوا عن
هذه المطالب الباهظة والمصاريف والنفقات الفاحشة التي ما
انزل الله بها من سلطان ما يسمونه بـ " الملكة " وتجهيز
العروس و " ثوب الزفاف " و قصر الأفراح " وما إلى ذلك من
نفقات طائلة لا يعلم قدرها إلا الله وكأنهم يصنعون الحبل
في عنق هذا الزوج المسكين ليجروه إلى حبل المشنقة أو يضعوه
في القفص الحديدي بدل أن يدخلوه إلى القفص الذهبي .
|