|
الحديـدة
البحر
والفل وام ناس ام طيبة
كتبت
/
نهلة
القدسي

اختلفت الروايات حول أسباب تسمية المدينة بهذا الاسم فهناك
من يقول أنها سميت بأب نسبة إلى أحد ملوكها وهو الملك (أب
يرع).. وروايات أخرى تقول: أنه لم يكن ملك عليها وإنما
زارها وأسماها
باسم
الحديدة درة
فريدة في عقد بديع صاغها الخالق فكانت لؤلؤة مكنونة .. تلك
هي عروس البحر الأحمر وجوهرة مدائن اليمن ، سكنت البحر
فمنحها فيضاً من سحره وجاذبيته .
وهاهي الآن تدعوك للترحال فيها لتستمتع بتنوع تضاريسها ،
بين سهول ساحلية ومرتفعات جبلية وجزر خلابة وينابيع حارة
وشواطئ ساحرة .
إن زرتها للمرة الأولى فلابد وانك ستعود إليها مرة أخرى ،
فحتماً سيشدك الحنين إلى أن تغسل همومك في بحرها الحنون
وأن تتنسم عبير فلها الزكي .
الحديدة .. أرض التاريخ
تعتبر مدينة الحديدة أرضاً عابقة بالتاريخ العريق والآثار
القديمة ، فلقد أشارت تقارير البعثات الأثرية إلى عثورها
على العديد من المواقع الأثرية فيها والتي يعود بعضها إلى
العصر الحميري وعصور ما قبل التاريخ ، وذلك في جبلي مستور
والمكتبة في مديريات حيس وباجل وزبيد وعلى امتداد الشريط
الساحلي ، وعرفت الحديدة قديماً باسم " تهامة اليمن " نسبة
إلى السهول الممتدة على ساحل البحر الأحمر ولحرارتها وركود
الرياح فيها ، كما ورد اسم تهامة في لغة النقوش اليمنية
القديمة بمعنى الطود أي الجبل .
وتعود بداية ظهور مدينة الحديدة إلى القرن الثامن الهجري (
الرابع عشر الميلادي ) وتحديداً في سنة 700 هجرية كمحطة
يستريح فيها المسافرون ثم تدرجت لتصبح قرية صغيرة من قرى
الصيد ، فاستقر فيها الصيادون واستخدمت كمحطة لإرشاد السفن
الدولية ثم اتسعت وكبرت فصارت بلدة من بلدان اليمن وذلك في
أواخر القرن الثامن الهجري ، وقد ذكرها الملاح العربي
اليمني أصلاً " ابن ماجد " في كتابه " الفوائد في أصول
البحر والقواعد " وذكرها المؤرخ المعروف " بامخرمه" في
كتابه " ثغر عدن " عام 1920م .
مدينة داخل السور
ويقصد بها الحديدة القديمة وتسمى اليوم حارة داخل السور
وتعتبر من أقدم أحياء المدينة ، وما إن تأخذك قدماك في
جولة عبر أزقتها وممراتها حتى تشعر وكأنك في عالم آخر ،
فالمباني الفريدة ذات الأدوار العالية والسقوف الخشبية
والأبواب المنقوشة بأشكال هندسية بديعة كلها تأسرك فلا
تملك سوى نظرات الإعجاب والدهشة والإجلال ، وأما السور
فيقصد به السور الذي كان يحيط بالمدينة قديماً وكان ذا
أربعة أبواب إلا انه تهدم ولم يبق منه سوى باب مشرف
والقلعة التي تشرف عليه ، وتوجد في حارة داخل السور العديد
من المعالم الأثرية المميزة والتي لا تزال إلى اليوم تحكي
لنا عن عظمة مدينة تتحدى الزمن وتحاول أن تنفض غباره عنها
بكل كبرياء من لا يستسلم للموت .
قلعة باب
مشرف

قلعة قديمة تقع على السور القديم في حي باب مشرف وقد بناها
الشريف الحسين بن علي أثناء سيطرته على المنطقة عام 1256
هجرية ، وتتكون القلعة من دورين وقد تم بناؤها بالطوب
الأحمر وطلاؤها بالنوره البيضاء ولا تزال القلعة رابضة إلى
اليوم في قلب باب مشرف إلا انها تحولت الآن إلى مركز
للشرطة .
حي باب مشرف
يعد من أقدم مناطق الحديدة وهو الباب الوحيد الذي لا يزال
موجوداً من أصل الأربعة الأبواب التي كانت جزءاً من السور
القديم المحيط بالمدينة قديماً ، وتوجد في هذا الحي مبان
قديمة جداً يعود بناؤها إلى أكثر من ألفي عام ، ولا يزال
هذا المكان عابقاً بأريج الماضي ليشعرك بعظمة المكان وكأنك
في صنعاء القديمة ، المباني ، الطرقات ، الأسواق هي نفسها
حتى الناس البسطاء فيها لهم نفس ملامح الطيبة ونفس ابتسامة
الرضا ، وإذا زرت مدينة الحديدة فلابد وان تأتي إلى باب
مشرف ففيه العديد من الأسواق الشعبية والمحلات التي تبيع
كل شيء وخصوصاً ما هو قديم .
الجامع الكبير
ويقع داخل حارة السور ويعتبر من المساجد الأثرية في اليمن
ويعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الهجري ، حيث بني في
عام 1111 هجرية على يد امرأة من أهل الخير تدعى ( فاطمة
بنت احمد الزراق ) ووالدها أحد تجار الحديدة القادمين من
عمان ( بضم العين ) .
وقد تم توسعته عبر مراحل مختلفة من عمره ثم هدم كلياً عدا
المرافق الخاصة به وذلك في عام 1394 هـ وتم إعادة بنائه
حيث بلغ طوله 18 متراً وعرضه 31 متراً وبنيت حيطانه من
الخارج بالحجر الملون ومن الداخل طليت بالحصى الأبيض وصممت
نوافذه من جميع الجهات بشكل متكافئ كما أضفت القمريات عليه
شكلاً مميزاً .
وللمسجد منارة للعلم ومدرسة دينية إلى يومنا هذا ، ففيه
تقام الندوات الدينية وحلقات الدرس اليومية وتعقد فيه حلقة
قراءة لصحيح البخاري في شهر رجب من كل عام .
المدابات
( خزانات المياه )
تعد المدابات من الآثار المميزة لمدينة الحديدة ، وقد
استخدمت لغرض حفظ وتخزين المياه التي كانت تأتي عذبة من
شمال الحديدة عبر سرداب يصل إلى المدب ، وقيل من بناها هم
العثمانيون وقد بنيت هذه المدابات من الأحجار الصلبة التي
تم جلبها من منطقة الصليف وكمران وهي عبارة عن تجويف ارضي
يتم النزول إليه عبر سلالم مبنية من الحجارة وفي الأسفل
يوجد حوض مياه ( البركة ) وفي أسفلها شعاب مرجانية تم
جلبها من البحر ويعلو الحوض قبة مبنية من الأحجار والطين .
وتوجد المدابات في أماكن متفرقة من المدينة إلا أن بعضها
اندثر وجف وبقي عدد قليل منها ، ويلاحظ أن بعض المدابات
كانت تبنى إلى جوار المساجد وأشهرها المداب الموجود إلى
جوار الجامع الكبير بحارة السور والذي كان يؤمن حاجة
مرتادي الجامع وسكان المنازل المجاورة من المياه قديماً
ولا يزال هذا المداب جارياً إلى يومنا هذا .
وقد ارتبطت المدابات قديماً بمهنة تسمى ( السقاية ) وهي
تعبئة المياه من المدابات إلى داخل أوان خاصة وحملها
بواسطة عصا تعلق على كتف شخص يسمى " الوراد " أو " السقا "
وهو من كان ببيع الماء في الحارات القديمة .
الحديدة والبحر
رديفان لا ينفصلان ، فها هو البحر يناديك ، تقف على رماله
ليداعبك الموج فتشعر بأنه يأخذك معه في مده ليعيدك مرة
أخرى في جزره ، ترقب النوارس البيضاء وهي تحلق فوق البحر ،
تمر الساعات ليأتي وقت الغروب فتشاهد أروع منظر يعجز أكثر
الرسامين براعة في تجسيده ، منظر للشمس وهي تودعنا ، تحيط
بها هالة برتقالية تمتزج مع زرقة أمواج البحر ، تلجمك
الدهشة فتسبح الخالق في علاه .
وعلى محاذاة الساحل توجد العديد من المنتزهات والفنادق
والمطاعم ، أما في منطقة الكثيب فهناك مشاريع سيتم
الانتهاء منها قريباً لإقامة منتجعات وشاليهات ومطاعم .
وهنا في منطقة الكثيب يمكنك أن تستقل مركباً في جولة بحرية
أو في زيارة لإحدى الجزر القريبة
الحديدة عروس
تطورت مدينة الحديدة كثيراً عن السابق وشهدت نهضة عمرانية
في مختلف المجالات ولا سيما بعد أن امتدت إليها أيادي الأخ
محافظ المحافظة محمد صالح شملان الذي لم يألُ جهداً في
إبراز تاريخها ومآثرها والمحافظة عليها لا في المدينة فحسب
بل في كافة مديرياتها المتعددة .
وها هي مدينة الحديدة اليوم تزهو كعروس وتحلو يوماً بعد
يوم وهي تستعد لاحتضان فعاليات العيد السادس عشر للوحدة
اليمنية المباركة ، وننتهز الفرصة لندعوكم لزيارتها لأنكم
إن فعلتم حتماً لن تندموا.
|