الرئيسية | تعرف علينا | ملف العدد | إصدارات | مقالات | أعداد سابقة | أضفنا للمفضلة | ألبوم الصور

 
 
 
 
 
 
 

 تقرأون داخل هذا العدد. . . .   مع الرئيس ضد الفساد : بقلم / رئيس التحرير !...            اسأل عن أذن مديرك ... بقلم مدير التحرير ...!           رجل أعمال ناجح وبلا عقد : شوقي الذي انحنى للثقافة !....               سمو الأمير الحسن بن طلال لـ ( الأسرة والتنمية ) : لا استمرار للدول النفطية دون استقرار للموارد البشرية! . . . .       * المقهى : شهادة ميلاد لشارع لايموت !.....      الشيخ الداعية / الحبيب عمر بن حفيظ لـ الأسرة والتنمية  : الضرر الأكبر يأتي من المسلمين أنفسهم !. . . .           المؤسسة الخيرية للمرحوم هائل سعيد أنعم حققت مراكز متقدمة في مسابقات دولية : القرآن أولاً ! ....          * في رمضان يتم ربط الجن والقضاة معهم : القضاء في شهر عسل  ...!         ! ....  

 
 
 
 

 
 
 
 

 
 

المقهى ..

شهادة ميلاد لشارع لايموت

* وليد البكس

 المقهى أنثى بالضرورة نحيا في خدر هناءتها العامة وما فعلها الجماعي هذا إلا من قبيل ممارسة عادة شرب الشاي ، ويمنحها الموقد- النحاسي- وطريقة بنائه التي تشبه الحفر الرحمي في جدار المقهى والذي تنطلق منه كل الروائح والصور الحسية المثيرة للشهوات شيئاً من القدسية ليس من خلال البنية الرحمية التي يثيرها الموقد . نسعى للعودة إلى الطفولة والاختباء والتكور على انفسنا ، كما لو كنا في قوعة نهرب من ضجيج الشارع ، لندخل في خضن شتاء دائم نستمع لحكاياتنا وهي تتلى علينا من أفواه مختلفة وكأننا نمارس هذه اللعبة منذ زمن طويل .. لذا حاولت المقهى أن تكون ديوان المدينة ومضياف القرية معاً ..
- لماذا نشأت مثل هذه الرغبة عند الناس بحيث يجدون في أمكنة هجينة بعض رضاهم ؟!
هل هي جزء من إفرازات اللانظام في الشارع والمدينة ؟ ! أم هي أماكن مرتحلة من سكونية القرية ورغبات مكبوتة في الإنسان لا يستوعبها مكان العمل ؟ ! أم هي لا هذا ولا ذاك بل تكوين لبيت آخر كائن في أحلام يقظة الإنسان يحتاجه في رحلته الزمنية .

النشأة

تنشأ أول الأمر كحاجة طارئة ثم تترسخ عندما يؤمها جمع متشابه لتتحول عندئذ إلى ما يشبه النادي لهذه الجماعة ، تدل بعض التصورات العامة عن نشوء المقاهي ، على أنها وجدت ملحقة بمكان يتجمع فيه الناس العاملون كي يتبادلوا السلع والرأي كالمزارعين والعمال ، والتجار ، والصناع ، والمسافرين ... الخ . ولكن هذه المواقع نجدها مختلفة ففي المدينة ثمة ظروف لنشوء المقاهي هي غيرها في القرى مقاهي صنعاء- تعز شأنها شأن أي تركيب اجتماعي حديث لا يوجد إلا إذا كان ثمة ناس يجمعهم عمل مشترك ، لذا فهي بقعة يوجدها العمل . في حين أن نشأتها في المدن نجد ارتباط المقهى عموماً بـ " العاطلين " " من ليس لديهم عمل " وهذا واحد من الأسباب المهمة في وجودها في الواقع التي تطل بها على أماكن الحركة اليومية للناس والأسواق . لكن في المقابل يمكن القول إن أماكن الشارع المعلنة وذات الهوية المعروفة وغير المتجانسة العمل كالدور والأسواق والمحلات ، تحتاج إلى جوارها أماكن حيادية لا تنتمي لأي منها كي تصبح مكاناً للتداول وتبادل الرأي ، ومن ثم البحث عن الراحة فيها . هذا هو شأن بعض مقاهي مدينة صنعاء خاصة تلك التي تبتعد عن مراكز العمل الكبرى مثل مقاهي التحرير والقاع وغيرها على العكس من مقاهي شارع حده والحصبة وشارع الزبيري ، في حين أن المقهى في القرى وضواحي المدن تصبح أقرب إلى هناءة البيت منها إلى تبادل العمل والعمالة . إذن فقد أنشأها المجتمع نتيجة لجدل العلاقة بين الناس والحياة العامة فأخذت من البيت جزءاً دون أن تكون بيتاً ، ومن مكان العمل جزءاً دون أن تستبدله ، ومن الشارع جزءاً خاصاً بالناس الذين يفضلون الجلوس على المشي ، ومن المخزن جزءاً دون أن يمنحها حفنة ومن النادي جزءاً دون أن تصبح بديلاً له ، ومن الملاهي جزءاً دون أن تخل بصفتها كما حملت كل هذه المواقع وغيرها من المقهى صفاتها فتجد بعض أشيائها في البيت ثمة زاوية لعمل الشاي والقهوة ، وفي السوق باعة الشاي المتجولون ، وفي المخزن- تجمع الأدوات والمواد الأولية ، وفي النادي تحول مظهرها الأنيق إلى خصوصية العاملين فيه ، وفي الشارع تحول الكثير من الزوايا والمنعطفات إلى مقاه صغيرة للوقوف ... الخ فجاءت بتركيبة مشوهة غير مستقرة ولا ثابتة الوظائف ، وحتى لغوياً لم أجد لها كلمة دالة عليها .

علاقة المقهى بالشارع

في قوامسينا العربية يقترب مفهوم الشارع من رأي بودليز ، أن الشارع هو المكان الذي " تدنو فيه الدور والمحلات والناس بعضها من البعض الآخر " أي تصبح كل مكونات الشارع في علاقة المجاورة . ودنوها بعضها من بعض ، يعني تشكيل وحدة اجتماعية وإن كانت متفرقة ، وكأنها لا تكون بمثل هذه الوحدة إلا متى كان ذلك المكان شارعاً . ومن معاني الشارع ، الطرق ، وهو السابلة ، يؤنث ويذكر كما في اللسان ، ومنه الطريق ، ومنه الشريعة ، وكل ما هو على الشارع مشرع ، وتسمى بداية الطريقة شرعة ، كما في اللسان .
ويعطينا الشارع تصوراً عن بنية التنظيم في المدينة ، هذا المبدأ الذي يعد أهم اكتشاف اجتماعي في التاريخ ، ويسمى بلودلير الشارع المنظم بـ " شعر المدينة " شأنه شأن الأنهار ، والحدائق والساحات والنصب والكرنفالات فهو العمود والوزن والإيقاع والقافية ، وهو بعد ذلك السبيل الذي يوصل المنقط . فإذا كانت المدينة قديمة وذات تقاليد عريقة فالشارع فيها هو الأسلوب الذي ينظم أشياءها القديمة وينتظم فيها- الأسلوب من أكثر المفاهيم الفكرية بطئاً الظهور ، لذلك تعين الشوارع أولاً ، ثم يعين ما حولها من بناء- ولذلك ترى في أوربا مدناً قديمة بشوارع قديمة ، وبأسلوب تنظيمي قديم لتصبح هذه المدن مدناً سياحية وعلامة من علامات شعرية التاريخ . وثمة نغمة ما دفينة يستشعرها المشاهد ، كلما مر فيه كأنه يستمع لموسيقى الماضي . أما إذا كانت المدينة حديثة ومعاصرة سيكون بالضرورة شارعها مثلها ، حاملاً للحداثة ، وثمة موسيقى أما في صنعاء ، فالشارع فيها لم يجد نفسه بعد ، لا في القديم ، الذي أتى كتابة مدونة ، ولا بالحديث الذي خضع لأوامر المالكين الذين يمر الشارع في أراضيهم ولم يبق من صنعاء من ذلك الماضي إلا " صنعاء القديمة " ذات شواهد آثار وبنايات محشورة متفاوتة ومتفرقة ، ليس بينهما شارع كما لم يجد نفسه في الحديث ، إلا من اجتهادات لمعماريين درسوا في دول أوروبية فطعموا رؤيتهم الحديثة بزخارف التاريخ ، مما جعل الشارع الصنعاني مزيجاً من بنائية قديمة دالة بشواهد تراثية ، وحداثة معمارية هجينة " شارع الزبيري ، شارع هائل ، شارع حدة ، شارع جمال " ويعني التنظيم ايضاً وجود وحدة بنائية كلية ، أشبه بالعقد الذي تنتظم فيها العلاقة بين الوحدات الصلبة " المناطق الاقتصادية والسياسية والتجارية الكبيرة وصاحبة القرار في حياة الناس ... الخ " وبين الوحدات الحيادية " مجمعات السكن والضواحي والمدن الصغيرة الملحقة ، كما يشير إلى مثل هذه العلاقة الجدلية رولان بارت لتتوحد مسالك المدينة ، وترتبط أجزاؤها بعضها ببعض كي تنساب حركة السابلة .. أيضا إلى ما يمتلكه الشارع من طاقة لتوليد الصور والمشاهد الحية والجديدة يومياً ، تلك الصور المتحركة التي يؤكد حضوره بصرياً وثقافياً والتي تبثها وسائل إعلامية مثل إعلانات المخازن والشركات و البضائع والسوق ، فالشارع بانوراما للمجتمع ومادته الفكرية الحية ، وثقافته التي تنتشر في البيوت والأزقة والمحلات ، وهو التكوين المعرفي القار الذي يفهمه كل من يمر به .
إذن فالشعر هنا هو الطاقة الجدلية الحية التي تفرزها العلاقة بين الناس والشارع .
الأمر الذي يعني أن كل مكونات الشارع ، والمقهى منها ، تحمل هذه الطاقة وتعممها في نهر لمدينة " الشارع " الذي تجري فيه سفن الحياة اليومية ، مهما كانت هذه السفن ، محملة بأشياء الماضي أم فارغة منتظرة ، الشارع مجرى مائي بشري ، يتوارث الأقدام القديمة ، ويولد أقداماً حديثة ، فيه تتدفق الصور اليومية الحية ، عاكسة أحداث الناس وتطلعاتها ، وحينما يأخذ المفهوم اللغوي للشارع أبعاده من دلالة " الطريق الأعظم الذي يشرع فيه الناس عامة " صنو " الشرع والتشريع " أي المكان الذي تتجاذب فيه الآراء والمواقف والأهواء . هو المكان الذي تجتمع فيه أزمنة المدينة وتواريخها وصراعاتها ، وهو المكان الذي ترى فيه مستقبل المدينة وهو يتشكل ، كما ترى ماضيها وهو شاخص أمامك بنصب أو أثر فما يحدث في مجراه اليومي من تغير وحركة وأفعال لا تصيب الشارع وحده ، ولا بمن يسلكه ، بل وكل ما هو على ضفتيه من محلات ومقاه ، ومخازن ودوائر حكومية ، وبيوت ، وارصفة ... الخ لذا تعد المقهى إحدى هذه النوافذ الراسية على الضفاف والمشرعة أبوابها على الشارع ، بل ومن أكثرها تأثراً بما يحدث في المدينة فهي المكان المشاع الذي يستقطب أقدام المارة العابرة فأنا وأنت لا نأتي المقهى إلا ونحن في الشارع ، أي في اللحظة التي تكون فيها بعلاقة مع تيار الشارع المتغير المسارب أي خارج إطار سلطة البيت ، وخارج العمل ، عندئذ يكون وجودنا فيها اختياراً وذاتياً ، وثمة نغمة " وجودية " يحققها كل منا للآخر .

المقهى وحدة بنائية

إن الكثير من المقاهي إما أن تكتسب صفة الجماعة الاقتصادية ، والاجتماعية التي ترتادها ، حتى تصبح مكاناً دينياً أو سياسياً ، أو فنياً ، أو فئوياً ، ما تلبث أن تكون طارئة حاجة حتى ترسخ عندما يؤمها جمع متشابه لتتحول عندئذ إلى ما يشبه النادي لهذه الجماعة .. وهذه العلامات المتبادلة بينهما هي من قبيل " الدمغة " أو " الماركة " المعلمة بها كل الموجودات المكانية التي تؤلف المكانين : الشارع والمقهى " المجتمع البشري المحدد " ما قيمة مقهى مدهش مثلاً بدون العدانية ، فهم الذين اسبغوا عليه هويته الكلية ، وما قيمة البقعة التي يحتلها مقهى الشعبي داخل باب الكبير في مدينة تعز لو لم تكن مقهى الشعبي ؟ ومن جمع المحصلة بين العلامتين المختلفتين المتفاوتتين يتكون زمن الشارعين بما فيهم " المعني بأمكنتها " وهذا يعني إن المقاهي ليست أمكنة لشرب الشاي والنارجيلة " كما في مقاه أخرى " فقط ولا هي التقاء الأقدام العابرة ، والمسافرة ، من أجل راحة الجسد المتعب من أثر التجوال في الأسواق المحيطة بها- وإن تلغى مثل هذه الوظيفة ، إنما هي تكوين علاماتي يستقرئه المارة في هيئة الجالسين وافعالهم ، وأن فاعلية الرؤية التي يصوبها الجلساء في المقهى على المارة في الشارع تؤكد خصوصية يمنحها المكان للجالسين فهو يُرى ويرى في المقهى في آن واحد ، وهذه الخصوصية الحميمة لا تتوافر لدى المارة الذين يكتفون بتصويت نظرة شاملة إلى جلساء المقهى . كلتا النظرتين تؤلفان سياقاً يومياً لدور المقهى في شارع / مجتمع وظيفته إعادة رسم للعلامات اليومية لهما ، ومن خلال هذه الرؤية المتبادلة بين المارة والجلساء ، والتي يمنح تكرارها من قبل جيش المارة للجالسين خصوصية ، ويتشكل حوار ما بين داخل المقهى وخارجها تفصح عنا هيكلية المقاهي الداخلية قبل الخارجية في صنعاء ومدن أخرى ربما ، وتتفاوت بناها الخاصة داخل المدينة عن ضواحيها منها تأتي بسقوف عالية ، وفضاء فسيح بأعمدة ، وساحات داخلية واسعة مع بنية الفضاء العالي المضيء والواسع المقطع بالأعمدة ذلك الفضاء الذي نجده في المدارس والمساجد كما أن لها من بنية مراكز الحكومة ، وسمة اللون الرصاصي الدال على القدم والمسؤولية ، ولأنها مقاه وليست أي مكان آخر وتحكمها إيديولوجيا التجاور ، أسست بنية مضادة ، هي البنية المنفتحة على الشارع بنوافذها العريضة وبيئتها المعلنة من خلال راديو ذي صوت عال ، فجاءت مغايراً للبيت ، وهذه البنية الهيكلية القديمة لبعضها- الحديثة تؤسس شعور وهو أن الداخل فيها داخل إلى تاريخ ما ، قديم تحدد مكوناته الداخلية اسمه وهويته مكانياً وأولها الشاي ، وهذا الشراب التاريخي الذي ارتبط بها ولا يزال أهم المشروبات التي يتعامل الناس معه ، كما لو كان لا بديل ، فكل أشياء المقاهي الداخلية تتعلق بالشاي في بعض المقاهي- الزجاج الشفاف الذي يفصل ما بين الخارج والداخل لها والذي يطل الرواد من خلاله على الشارع ، ويطل السائرون من خلاله على روادها ، يخلق من خلال شفافيته العلاقة بين الماضي والحاضر ، فيبدو جلساء المقهى في كهف افلاطوني يحتسون الشاي منذ زمن طويل ، بينما يبدو السائرون في الشارع تعاقباً للأجيال التي ترى ظلالها جالسة خلف زجاج شفاف ، وفي بعض المقاهي تعطيك الستائر العالية الطويلة التي تذكرك بالمكان الأرستقراطي ، البيت والمرأة منه في بنية هذا العمق- تصوراً عن أبهة آفلة . وفي البعض الآخر يسعفك حطب الموقد المشتعل الأوار ، في توليد يقظة الحرارة التي تستشعرها في الزحم ، كأنك في حوارات لا تنقطع ، ما تلبث هنيهة حتى يخمدها الشاي فتجد فيه وعاء سحرياً آتياً من عمق الروح ، حيث الحرارة تصبح دافعاً حسياً لتبريد جوف الجسد .
وهناك مختصون في مقاه يعملون بثقافة المقهى وفي سياقها منها " النرجيلة " أو " الشيشة " ذات قناني التبغ المائية الملونة- بصوتها القرقرة التي تحدثه أثناء التدخين ، وكأنها موسيقى الأنفس العميقة . فالعلاقة بين التبغ والروح عند البعض علاقة تضام ، فالتبغ دخان مسكر ، ولا يوجد إلا في علاقة مع الجسد ، أما الروح فهي هواء بجسد من دم ، لذلك يشعر بعض المدخنين أن السيجارة جزء من الروح .

تجمعات

للموائد في المقهى ذاكرة وحضور ، كل مائدة لها جلساؤها وكل زاوية لها روادها زاوية لمصور " عيني " يأخذ صوراً للزبائن كما لو كان مدوناً لتاريخ المكان وأخرى شبه مختفية للعب " البطة " كما لو كان قبواً خفياً ، وثالثة للاعبي رياضة فيها عالم مدني- بيتي- سوقي- موزع على الأهواء والأفعال . رغم أن المقهى ليست مكاناً يندرج في سياق الأسواق كلياً أو من تلك البقع التي يقضي المرء فيها حاجته ومن ثم يغادرها- رغم أننا لا نعدم أهمية مثل هذه الحاجة العابرة .

مشاهد
" حين شرعت في البحث عن نجيب محفوظ في مقهى الفيشاوي في القاهرة عام 1964م أضناني التعب وأنا أسأل عن المقهى إلى أن عثرت عليه لكنني لم أعثر على الهدف المنشود وهو رؤية نجيب محفوظ أثناء جلوسه في المقهى وتدخينه " النرجيلة " وضحكاته المجلجلة مع أقرانه " الحرافيش " ! كان المقهى مقهى قديماً .. كانت على جدرانه صور مختلفة لفنانين وفنانات مثل أم كلثوم وكمال الفيشاوي وغيرهما .. وأدركت بعد ذلك أن نجيب محفوظ قد هجر مقهى الفيشاوي وتحول إلى مقهى آخر يدعى " ويش " وبعد مرور وقت غير قصير تمكنت من رؤية نجيب محفوظ ، ومن مقابلته والجلوس معه ، ومعرفة موعد حضوره .
وعندما عدت إلى عمّان ، بدأت أسعى للتعرف إلى مقاهي المثقفين الأردنيين ووجدت منها مقهى " خبئني " ومقهى " كوكب الشرق " و " شهرزاد " لكنها كانت خالية من عملاق كالروائي نجيب محفوظ ، وشرعت في متابعة قصة المقاهي الثقافية في العواصم العربية ، ولاحظت أنها كثيفة الانتشار في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء والرباط وتونس والجزائر" .
فخري قعوار- رئيس رابطة الكتاب الأردنيين مجلة الصدى " 93 "
صديقي القادم من بغداد روى لي كيف يأسرك المقهى هناك قال : تلج مقهى في شارع الرشيد تجد نفسك في رحم التاريخ شئت أم أبيت وكأنك في متحف لا تمارس فيه إلا عادات ، ربما هذه ميزة خاصة بـ " علم نفس المكان " .. وحتى الرمق الأخير من الليل لا يزال ناظم المعمري مسكوناً بمقاهي شارع هائل وبغداد وشارع حدة كما تحدث : الشارع نهر المدينة الذي تجري فيه سفن الحياة اليومية- نهار ، ليل ، مهما كانت هذه السفن محملة بأشياء الماضي- تجدني أتزود منها لإشباع إدماني في قهوة ما " .

ديمومة المقهى
يتجدد حضور المقهى من خلال ترسيخ ديمومته فالأبواب نافذتها على الشارع والناس ، وما القفل والمفتاح فيها إلا قفل ومفتاح للشارع أيضاً ، ثمة صلوات خفية يمارسها العامل وهو يفتح المقهى صباحاً- إن كان لا يناوب- تعطي المقهى للشارع حضوراً بفتح أبوابها ، كما يعطي الشارع للمقهى حضوراً حينما يعلن بضاعته . فقد يعني إغلاقها- خاصة مقاهي شارع حده- إعلاناً عن قضية تتعلق بمجريات الأحداث الكبيرة في البلد ، ليس أقلها وفاة صاحبها ، فالمقاهي في شارع حده بقعة نابضة لا تعرف السكون ، ولأنها جزء من بنية المدينة الاجتماعية والسياسية حملت كل مضاعفات المدينة .

نهاية واقعية
فالمقهى هذا المكان الحي يواجهك صباحاً ومساء بصمته المتحرك يستذكر معك تاريخ اليوم السابق ولأنه مقهى وفي وسط المدينة وشارع مهم مثل شارع حده يتنوع فيه الجالسون . أما عندما تكون المقهى في المحلات الشعبية وفي بقع كثيرة منها تمر بها ولا رواد أجانب يأتون إليها وهذه أهم سماتها المحلية ، إنما من خلال طبيعة روادها ، فالرواد يسكنون في منطقة واحدة ويتداولون أحاديث واحدة ، هي من سمات القرية ومن سمات العمل المتشابه وهذا بدوره يطبع المقهى التي يرتادونها بطابع التقليدية ، التي تحافظ على القديم والمألوف ، والجالسون فيها يؤلفون مثل هذه الألفة معها بوصفها حاملة لهويتهم ، ولا بأس من أن تكون في بعض الأحيان ملاذاً أكثر من البيت ، حيث ينقلون إليها ما يعجزون عن تحقيقه في البيت .

 

 
 

 
 

في رمضان يتم ربط الجن ، والقضاة معهم !
لكن قضايا الناس تتراكم ..

القضاء في شهر عسل

 

* وليد البكس

 تزداد قضايا الناس تراكماً في المحاكم يوماً بعد يوم .. وفي رمضان تغلق المحاكم أبوابها فيزداد الأمر سوءاً بالنسبة للمواطنين ، فالعدالة في إجازة وإذا منحت للمواطن فإنها تمنح على طريقة " الري بالتقطير " بعد أن يكون صاحب الحق قد يئس من عودة الحق إليه .. إذ القضاء في شهر عسل في رمضان مبتعداً عن " وجع دماغ " قضايا الناس التي تنتظر البت فيها .. هذا الملف يسلط الضوء على إجازة القضاء في رمضان والمشاكل التي ترافق ذلك حيث تم أخذ آراء القضاة ووكلاء النيابة والمحامين وما إذا كان هذا الأمر يعد ظاهرة صحية أم لا إلى جانب آراء بعض المواطنين .

قضايا مستعجلة

في البداية كان لقاؤنا مع القاضي / عبد الكريم النعماني / رئيس محكمة شرق تعز السابق ، والذي سألناه عن سبب إغلاق المحاكم في رمضان فأجاب بالقول : المحاكم تظل مفتوحة في شهر رمضان المبارك وتستقبل القضايا ذات الطابع المستعجل الذي لا يحتمل التأخير ويعين قاض مناوب لاستقبال القضايا .. والإجازة القضائية هي حق من حقوق شاغري الدرجات القضائية كغيرهم ، وقد حددها القانون بشهرين في السنة أحدهما شهر رمضان المبارك ، وشهر آخر يحدد من قبل وزارة العدل ، أما بقية العاملين في المحاكم من أصحاب الدرجات الإدارية فيستمرون في أعمالهم ويسري عليهم قانون الخدمة المدنية التي حددت الإجازات لهم ولغيرهم من موظفي مرافق الدولة الأخرى .

وعن المدة القانونية التي تنتقل فيها القضايا من التنفيذ الاختياري إلى التنفيذ الجبري وكيفية التعامل عند تنفيذها أجاب قائلاً : إن قانون المرافعات والتنفيذ المدني قد حدد مدة معينة للمحكوم عليه كي يقوم بتنفيذ الحكم اختيارياً بعد تكليفه بذلك وهي مدة أسبوع- وذلك كما حددتها المادة " 331 " من قانون التنفيذ المدني ، فإذا بادر إلى التنفيذ بنفسه- وهذا نادر الحدوث- وإلا انتقلت المحكمة إلى التنفيذ الجبري . ولا توجد مدة محددة لإنهاء التنفيذ لأن لكل قضية ظروفها الخاصة بها ، ويوجد في بعض المحاكم قضاة للتنفيذ وفي بعض الآخر يتولى التنفيذ رئيس المحكمة بنفسه ، وإذا حدثت جريمة أثناء إجراءات التنفيذ يتم التحقيق فيها عبر جهاز النيابة العامة كغيرها من الجرائم .

لا يقضي وهو جائع

ويتفق مع نفس الرأي السابق القاضي الجزائي / عبد الله محمد الحدابي حيث يؤكد قائلاً : بالنسبة لإجازة القضاء في رمضان فقد حدد ذلك قانون السلطة القضائية ، وكانت الإجازة السنوية شهرين ، شهر ذي الحجة أحد هذين الشهرين ، والشهر الآخر هو شهر يوليو كإجازة صيفية .. بالنسبة لشهر رمضان فهو شهر الصوم وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم " لا يقضي القاضي وهو غضبان ولا يقضي وهو جائع ..." إلى جانب ذلك أن قاضي الأمور المستعجلة في رمضان يفصل في كثير من القضايا مثل الجرائم المشهودة أو النفقة أو الحضانة أما القضايا الأخرى التي يتطلب تأجيلها فيمكن البت فيها بعد إجازة شهر رمضان .

إصلاحات ذات البين
ويضيف القاضي / عبد الله الحدابي قائلاً : بالنسبة للناس الذين لديهم قضايا وهم في السجون هناك رقابة من قبل النيابة وذلك للنزول الميداني مرة في الأسبوع لزيارة السجناء ومعرفة أحوالهم وما هي المدة التي قضاها السجناء وكم يتبقى لديهم والقرارات التي أصدرت في حق هؤلاء .
* وعن السبب في تأخير الكثير من القضايا وعدم البت فيها قال : يعود ذلك إلى أن القاضي قد يتأنى في إصدار الحكم وذلك لإعطاء فرصة كافية للمتخاصمين لإصلاح ذات البين لأنه قد يكون هناك توتر لبعض الأطراف ، فنحاول أن نعطيهم الفرصة الكافية كي تهدأ أعصابهم فيتراجعوا عن بعض قراراتهم أو مطالبهم ، والتطويل قد يتعب صاحب الحق لكننا نحاول أن نتلافى ذلك في سرعة البت في بعض القضايا .

على مدار العام
صالح راجح أبو حاتم / رئيس نيابة استئناف محافظة تعز السابق قال : بالنسبة لنا في رمضان النيابة لا تغلق أبوابها بل تظل تمارس أعمالها على مدار العام وما يحصل هو أننا نقوم بتوزيع العمل بين وكلاء وأعضاء النيابة على فترتين أو ثلاث فترات وهذا التوزيع يراعى فيه حسن سير العمل وانتظامه ، والسبب في ذلك أن كثيراً من الناس في رمضان يحبذون الاستقرار في منازلهم والتفرغ للعبادة ، بينما جلسات المحاكم متوقفة عدا النظر في القضايا المستعجلة باعتبار شهر رمضان إجازة قضائية والعمل فيه يقل عن بقية أشهر السنة وأما عن مستوى الإنجاز فإن نيابة م / تعز قد ورد إليها عدد " 6365 " قضية خلال عام 2005م تم التصرف والبت في " 5779 " قضية خلال العام ولم يتبق سوى " 586 " قضية رغم الإمكانات المتواضعة التي لدينا .

احترام الشعائر الدينية
- عبده محمد مقبل- وكيل نيابة شرق تعز قال : تغلق المحاكم أبوابها في رمضان أساساً من أجل احترام الشعائر الدينية ، ففي رمضان لا يتقبل الناس بعض الأشياء التي قد تثيرهم مثل المشاكل داخل أروقة النيابات والمحاكم في رمضان ، ومع ذلك فالمحاكم والنيابات لا تغلق أبوابها بصورة نهائية حيث يتم البت في بعض القضايا التي لا تحتاج إلى تأخير .

* وعن موقف النيابة من السجين المعسر أجاب بأن هناك لجاناً تكلف من قبل رئاسة الجمهورية ومن النائب العام ومن وزارة العدل ، حيث تقوم هذه اللجان بالنزول الميداني للتعرف إذا ما كان هناك معسرون حقاً وإذا ثبت ذلك تتكفل الدولة بدفع الغرامات على هؤلاء المساجين ومن ثم إطلاق سراحهم .. ويضيف أما ما يتعلق بالقضاء فقد تطور كثيراً حيث أصبحت هناك محاكم نوعية ونيابات نوعية من حيث المقرات ووسائل المواصلات والاهتمام بالكادر القضائي والإداري ، حيث أصبح كل من له علاقة بالسلك القضائي يتحصل على حقوقه كاملة .
توعية المتهم بحقوقه
وفيما يتعلق بتوعية المتهم بحقوقه أجاب وكيل النيابة بأن هناك بالفعل توعية للمتهمين بحقوقهم مثل من حق المتهم أن يعين له محامياً ، وكذلك من حقه أن يدلي باعترافاته دون ضغوط أو يمتنع عن الكلام .

تقسيم العمل

" بالنسبة للنيابة فهي لا تغلق أبوابها في شهر رمضان والقضايا تسير بشكل طبيعي " هكذا بدأ " أحمد محمد الغزالي- وكيل نيابة المرور - حديثه معنا وأضاف قائلاً : وفيما يخص إجراءات التحقيق وهو من عمل النيابة ، ففي رمضان يتم تقسيم العمل بين أعضاء النيابة العامة في كل نيابة على حدة ومن ضمنهم وكيل النيابة بل وحتى رئيس النيابة ويعد جدول بالتناوب ، حيث يتولى العضو المناوب استقبال القضايا من الشرطة والمباشرة في التحقيق وتكون جاهزة لإحالتها على المحاكم المختصة ، فإن كانت من القضايا المستعجلة يبت فيها قاض مناوب لدى المحكمة باعتبار شهر رمضان إجازة قضائية ، وعموماً القضايا في رمضان تقل كثيراً بالمقارنة إلى بقية الشهور لما لشهر رمضان من خصوصية دينية تنحسر فيه الخلافات والخصومات ويشيع جو التفاهم والتسامح ، وشهر رمضان فرصة للتزود والمراجعة تمد القاضي بزاد روحي وبشحنة إيمانية عالية تمكنه وتبصره بأن يتوخى العدل في حكمه والحق في قوله .