|
من
حسن حظ المرء زيارتها يوم الاثنين .. حيث للمآذن تاريخ
وللعدل قصة موجعة وإهمال حديث .
المراوعة
استطلاع /
مازن عبد
الغني السقاف
مدينة
تاريخية، لا يذكر اسمها إلا مقروناً ببيت السيد علي بن عمر
بن محمد بن سليمان المشهور بالأهدل، وهو أول من سكنها
وإليه ينتسب الأهدليون بتهامة.
إنها مدينة المراوعة التاريخية والمشهورة بمكانتها العلمية
الزاهية كأحد معاقل العلوم الدينية في اليمن، وخاصة في عهد
الدولة الرسولية والدولة الطاهرية، تقع هذه المدينة شرق
مدينة الحديدة على بعد 25 كم تقريباً على خط الطريق
الرئيسي بين الحديدة ـ صنعاء، سكن هذه المدينة في العصر
الحديث الكثير من الأسر العريقة والتي حاولت الحفاظ على
تراث مدينتهم، من هذه الأسر أسرة آل خيروه (التي لا تزال
موجودة حتى اليوم) ويعود نشأتها إلى ما قبل 130عاماً من
الآن، فالمنزل الذي يضم هذه الأسرة شاهد على أصالتها
وانتمائها إلى حضارة هذه المدينة وعراقة تراثها المعماري،
فقد شكلت نقوشها وزخارفها المعمارية لوحة فنية غاية في
الجمال والإبداع وتعطي انطباعاً يحكي عن مكانتها السحرية
في عالم الحضارات والثقافات المختلفة .
أهم المعالم " 15 قبة تزين جامع واحداً"
زرنا هذه المدينة ولم نستطع إخفاء إعجابنا واندهاشنا
المتزامنين بما رأيناه من معالم أثرية متعددة تناثرت على
مناطق متفرقة في المدينة، تسارعت خطواتنا حاملة طبقة
المعرفة عن قرب لتفاصيل هذه المعالم، فبدأنا جولتنا من
الجامع الكبير والذي يعد من أهم المعالم الأثرية التي
تتميز بها مدينة المراوعة، يعود بناء هذا الجامع إلى القرن
السابع الهجري، وقد تم بناؤه في أول الأمر من القش.. أسسه
الشيخ علي بن عمر الأهدل وجاء بعده ولده الشيخ "أحمد بن
علي بن عمر الأهدل" وعمره بالآجر "الياجور" والطين وزينه
بالقباب، حيث تصل عدد قبابه إلى 15 قبة، مازالت موجودة إلى
اليوم، وفي مطلع القرن العشرين الميلادي وإبان الحرب
العالمية الأولى تعرض لقذيفة من البريطانيين هدمت جزءاً
منه، وقد أعيد بناؤه في عام 1334 هجرية- 1916ميلادية بأمر
من السلطان العثماني "عبدالحميد بن محمود" وتبلغ مساحته
حوالي 40متراً طولاً و30 متراً عرضاً، وفي السنوات الأخيرة
تم إضافة الجزء الجنوبي من الجامع بناءً حديثاً وبناء
مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم.
يعد الجامع الكبير في مدينة المراوعة من أقدم دور العلم
والعبادة شهرة بين مساجد المدينة كونه يعتبر جامعة إسلامية
أصيلة بتاريخها العريق وتراثها الإسلامي، وتخرج منه
الكثيرون من طلاب العلم والفقهاء والعلماء والمشايخ
والقضاة والكثير من الأدباء والسياسيين أيضاً.
حيث كان الطلاب يتوافدون إلى هذا الجامع من جميع أنحاء
المعمورة للتعليم وقد وصلت فيه عدد الحلقات العلمية إلى
أكثر من عشرين حلقة علم وكان يعين لكل حلقة شيخ مسئول منها،
وخزانة خاصة بها، يوضع فيها كل ما يتعلق بالحلقة العلمية
من المستلزمات ( صحف وكتب دينية وثقافية ...الخ).
وقد تم تجهيز الجامع بفرقة كبيرة خصصته لطلاب العلم
الوافدين من الخارج "خارج بلاد اليمن" لتلقي العلم
والدراسة، تتسع هذه الفرقة لـ50 أو 60 طالباً ويقيمون فيها
ويأكلون ويشربون في المسجد، وقد قسمت حلقات التعلم حسب
الأعمار حيث وجدت حلقات الصغار السن خصصت لهم أبواب صغيرة
كانوا يدخلون منها بينما كان الكبار يدخلون ويأتون إلى
حلقاتهم من أبواب أخرى كبيرة، لقد كان لهذا الجامع الدور
العامل في نشر التعاليم الإسلامية والفقهية، فقد كان له من
الأهمية ما جعله قبلة لمن أراد التعليم وحتى صارت مدينة
المراوعة تقصد من ضمن المناطق القليلة التي كانت مشهورة
بالعلم حينها وهي " زبيد- صنعاء- جبلة- المراوعة" ونتيجة
لهذه المكانة العلمية التي حظيت بها صدر مرسوم ملكي في عهد
الإمام أحمد يحيي حميد الدين يقضي بتحمل نفقات طلاب العلم
الذين يأتون إلى مدينة المراوعة لتلقي العلوم الدينية.
لبن وطين عمارة وإبداع
عندما تسمح لك الفرصة بزيارة هذا الجامع ستشعر بشيء من
الدهشة انفردت به جوامع هذه المدينة وأبنيتها القديمة
فبرغم الجو الحار الذي يسيطر على المدينة اغلب أيام السنة
إلا أنك تلمس لطافة الجو عندما تكون داخل هذا الجامع،
بحثنا عن الأسباب فكانت أن ميزة البناء القديم للجوامع
والمباني القديمة تنفرد بأسلوب غريب جعل منه مكاناً لطيفاً
في الأيام الحارة، حيث إنهم كانوا أثناء قيامهم بعملية
البناء يقومون بمزج اللبن والطين ثم يسقفون به أسطح
الجوامع والمباني، هذه الطريقة جعلت أسقفهم في أيام
الأمطار تمتص الماء بسرعة دون أن يحدث ذلك أية مشاكل في
البناء الداخلي للبناء مع طول السنين، ويوفر الجو الهادئ
في الأيام الحارة.
أسلوب مبتكر بأبسط المقومات ليوفر له جواً هادئاً يقيهم
حرارة الجو صيفاً، طبعاً لم يكن تتوفر حينها وسائل الراحة
الحديثة من تكييف هوائي ومراوح كهربائية ...الخ
حقيقة إنها طريقة عجيبة لكنها ذات قيمة معمارية وفنية
رائعة تتطلب الوقوف عندها من أصحاب الاختصاص والنظر إلى
الإبداع المعماري، لتضيف هذه المدينة إلى شهرتها العلمية
مكانتها في الفن المعماري.
مخطوطات أثرية
المصحف الشريف مكتوب بخط اليد
يلفت أنظارك وأنت تبعثرها في كل نواحي الجامع العدد الهائل
من الأعمدة التي تزيد مساحتها عن مترين إلى متر للعمود
الواحد، وعندما يستقر نظرك على محراب الجامع تشاهد على
يمينه منبراً بني على نفس الطراز الإسلامي القديم في عهوده
الأولى فهو عبارة عن درجتين فقط من دون ساتر يعتليها
الخطيب ممسكاً بعصاه خاطباً بهم ورغم بعض التجديدات
والترميمات الحديثة للجامع إلا إن هذا المنبر ظل كما هو
يحاكي نشأته الأولى كما بدأ.
لا تستطيع وأنت تتأمل هذه المآثر أن تتجاهل خزانة (مكتبة
قديمة) قد أخذت جزءاً كبيراً من جدار الجامع على يسار
المحراب، تحوي هذه المكتبة في طياتها العديد من المخطوطات
النادرة أهمها المصحف الشريف مكتوباً باليد طوله متر ونصف.
كما تحوي هذه المكتبة كتاب "البرهان في إعراب القرآن"
محفوظاً بخط مؤلفه الميقري شميلة الأهدل، ويعتبر هذا
الكتاب من أهم الكتب التي تدرس في الجامعات الإسلامية على
المستوى العالمي، وهناك العديد من المحفوظات الأخرى
النفيسة بقيمتها الإسلامية والعلمية والفكرية.. الشيخ
عبدالرحمن مدير الأوقاف لا يفارق هذه المكتبة إلا نادراً
يرفض أن يكشف أسرار تلك المكتبة الثمينة خوفاً عليها من
السرقة والاعتداء، وهو الشخص الوحيد الذي يملك مفاتيح تلك
المكتبة النادرة، وقد ازداد حرصه بعد محاولة أحد التجار
شراء هذه المحفوظات، لا سيما وأن الشيخ يعتبر أن مجرد
التفكير في بيعها يعتبر سرقة لهذه المآثر والمخطوطات.
مبنى الحكومة القديم
عندما تتجول في شوارع هذه المدينة وأزفتها حتماً ستقف عند
مبنى قديم تشدك إليه عمارته الفنية، هذا المبنى كما يطلقو
عليه أهالي المدينة باسم مبنى الحكومة القديم، كانت تدار
كل شئون المدينة وساكنيها من داخل هذا المبنى الذي صار
مجمعاً احتوى كل شيء يخص المدينة وأهلها، حيث كان يشغل
قاعة للمحكمة وغرف للسجن ومكاتب للضرائب وجباية الزكاة
وغرفة خاصة للقضاء وأخرى للجنود والعساكر المرابطين
بالمبنى للحراسة والخدمة والحماية وتنفيذ الأوامر، كما
اشتمل هذا المبنى أيضاً على دهاليز ومستودعات أرضية "مخازن"
لجمع الغلال من الحبوب والمواد الغذائية وحفظها هناك إلى
حين الحاجة إليها.
يحيط بمبنى الحكومة سور مرتفع يحاصره من جميع الجهات يتميز
هذا السور بقوة وسمك وصلابة جداره والذي بني بأسلوبهم
التقليدي بخلط اللبن والطين، الأمر الذي صعب معه هدم هذا
السور أو اختراقه حينما كانت الحكومة تتعرض لأية مواجهات..
لهذا المبنى بوابتان إحداهما خاصة لدخول السيارات التابعة
للشرطة والجيش والقضاة، والأخرى بوابة خشبية كبيرة لدخول
الوافدين، الأهالي وغيرهم إلى المحكمة أو أي أمر آخر.
هذه البوابة الخشبية ورغم تعرض أسوار المبنى للسقوط في
الفترة الأخيرة بعد أن تم تركه مؤخراً إلى مبانٍ أخرى، إلا
أن بوابة المبنى القديم "الخشبية" ظلت تحكي بقوتها تاريخ
وأصالة هذا المبنى من خلال تاريخ البناء المنقوش عليها منذ
عام 1115 ميلادية.
أدلة الجريمة التاريخية (اغتيال في قاعة المحكمة)
في مدينة بمكانة مدينة المراوعة التي تخرج منها العديد من
القضاة والفقهاء والعلماء كان لابد أن تضيف هذه المدينة
إلى مكانتها الدينية والعلمية قدرتها في تحقيق العدالة،
التي هي أساس العلوم.. وبالفعل أضافت هذه المدينة إلى
قائمة امتيازاتها تحقيقها للعدالة فعندما نستمع إلى أهالي
المدينة فإنهم لا يكفون عن سرد قصة العدالة التي وقعت داخل
المبنى الحكومي القديم وبالرغم ـ حسب قولهم ـ من أن أطراف
النزاع من أصحاب النفوذ الذين تضيع معهم الحقائق وتختفي
منها العدالة يروي الأهالي حادثة قتل رهيبة حدثت لقاضٍ من
قضاة المحكمة بطلقات نارية أطلقها شخص مستهتر (م.ع.ق) ابن
أحد أعضاء مجلس النواب بسبب خلاف نشب بين القاضي القتيل
وأب القاتل عضو مجلس النواب، وكان ذلك داخل قاعة المحكمة
أثناء اجتماع حدث هناك بين إدارة المنطقة وإدارة المحكمة
أصيب القاضي في رأسه من بندقية القاتل السريعة وتطايرت
دماه ولا تزال آثار الدماء موجودة إلى الآن داخل قاعة
المحكمة على نافذة الغرفة شاهدة على الجريمة التي قتل فيها
قاضٍ كان يجلس على منصته ولم تمضِ هذه الجريمة من دون عقاب
ـ كما يروي أهالي المنطقة ـ فالقاتل قد نال عقوبة الإعدام
رمياً بالرصاص، رغم تدخل كل الوساطات وبذل الأموال
والملايين، ولكن عدالة القانون كانت أقوى هذه المرة وبعد
هذه الحادثة أغلقت المحكمة حتى يومنا هذا وبقيت شاهدة على
العصر، وخاوية على عروشها.
سوق المراوعة من أقدم الأسواق (من القرن السابع الهجري)
ستكون محظوظاً لو أنك زرت هذه المنطقة يوم الاثنين كون هذا
اليوم له طقوسه الخاصة به، حيث تمتاز المراوعة بسوقها الذي
يقام كل يوم اثنين ولذا يطلق على هذا السوق باسم سوق
الاثنين، الذي يتوافد التجار إليه من كل أنحاء الجمهورية،
يبيعون ويشترون، التجار القادمون من أماكن بعيدة يصلون إلى
السوق ليلاً حاملين كل أنواع البضائع والسلع، والآخرون
يصلون إليه قبل الفجر، وعند الفجر تماماً يتحول السوق إلى
ما يشبه مملكة النحل ويزدحم الناس من أهالي المراوعة
والقرى المجاورة لها والبعيدة عنها للشراء والبيع، فمعظم
الأهالي من الفلاحين يعملون في تربية المواشي بأنواعها
المختلفة من أبقار وأغنام ويجدون في هذا السوق فرصتهم لبيع
مواشيهم والحصول على الدخل.
ينقسم السوق إلى أقسام مختلفة سوق للخضروات والفواكه وسوق
اللحوم وسوق الحدادين وسوق الحلويات وأخرى للمواد
البلاستيكية والأثاث والملابس والأواني الفخارية وأخرى
للعسل البلدي بأنواعه المختلفة.. من أهم ما يميز سوق
الاثنين في المراوعة أنه يحتوي على أجود أنواع العسل
واللحوم، حيث يأتي الناس من كل أنحاء الجمهورية لشراء
العسل واللحوم ذات الطابع الخاص، كون تربيتها تكون في
البداية الطبيعية وفي أطراف السوق تجد الكثير من الشاحنات
الكبيرة التي تتجمع عند سوق المواشي لتحملها إلى جميع
محافظات الجمهورية، وإلى منطقة الخليج العربي وخاصة
السعودية، حيث تشكل هذه التجارة فرصة للأهالي لرفع أسعار
بيع مواشيهم .
سوق الاثنين بالمراوعة من أقدم الأسواق شهرة وحركة على مدى
تاريخ المدينة الذي يمتد تاريخها إلى القرن السابع الهجري،
ولا يزال حتى اليوم يمثل صورة من صور الوحدة الاقتصادية
والسوق المشتركة ومصدراً هاماً من مصادر الدخل القومي
للسكان .
|