|
أرجوحة
تنقل الفرد من إحساس لآخر في عدن:

ليالي وناس الخميس
استطلاع /
مريم صالح
المعاني
تخضب الأيام بالألوان، لكل يوم معنى، ولكل يوم لون،
والمعنى فكرة واللون إحساس وتتعانق الفكرة مع الإحساس
لتعطي لليوم طعماً.. مذاقاً، ولكل مذاق رائحة والرائحة شدو
يطرب الآذان، فتكتمل الدائرة ولا يبقى إلا أن تلمس اليوم
لتحسه بيديك وإن شئت احتضنه ، وإن شئت قبله.. ما أروع
ملامسة اليوم بشفتيك.. ولا مهرب من أن يكون لكل فرد أو
جماعة مشاعر خاصة تجاه الأيام، فما أن تذهب للفراش لتنام
وتتذكر اسم اليوم التالي حتى يجتاحك شعور ما بخفة يوم
الخميس فتتراقص الفرحة بين نواجذك وتشعر بثقل الأيام
الأخرى.. هذا بالضبط ما يحدث لكل إنسان، ولكن لعدن ميزة
مختلفة وطقوساً يتلقفها أفرادها رجالاً ونساء وصغاراً الكل
يحتفل فيه بطريقته الخاصة.. يحلو فيه السهر والعناق وبين
الفرح والعناق.. مجلة "الأسرة والتنمية" تدعو قراءها
الكرام للغوص في أجواء الخميس في عدن لنعيش تفاصيله
وأوقاته حتى نتلهف مجيئه .
طقوس خاصة
• سوسن منصور- ربة منزل تستبشر بيوم
الخميس قائلة :
نحن لنا طقوس خاصة كل خميس نحرص فيه وربما الكثير من
العائلات على كشط المنزل وتنظيفه من الأوساخ والأتربة
والقيام بالواجبات الأخرى كالغسيل والطبخ وترتيب كل غرف
المنزل بشكل أنيق ومقبول، بينما يقوم كل فرد من أفراد
الأسرة بأداء وظائفه وتجهيز حاجيات الرحلة، وفي يوم الجمعة
يكون الطعام جاهزاً والبيت نظيفاً ولا يبقى سوى اختيار
المكان المناسب لقضاء أوقات رائعة أمام البحر وتحت أشعة
الشمس وبين ترابه الأرض الذهبية والسباحة والاشتراك في
المسابقات المختلفة التي تقيمها النوادي.
• وترى والية محمد- موظفة رأياً آخر
حيث تقول:
يعتبر يوم الخميس في عدن بمثابة قدس الأقداس في تقوية
الروابط الأسرية وصلة الأرحام، فتحرص بعض الأسر على تقضيته
في بيت العائلة الكبيرة " بيت الأب للغداء وتفرش الموائد
بما لذ وطاب والتي لا تخلو من الإسراف عادة" أيضاً للأطفال
فرحة تختلف عنا نحن الكبار حيث تملأ لعبهم وضحكاتهم أرجاء
المنزل والحارات.. وتضيف :
مع ذلك لا بأس فاليوم خميس حرام فيه العلم.. الكل في سعادة
وفرح وتنشر في ثنايا المنزل رائحة الفل والريحان والكاذي،
ولا يخلو أي منزل عدني من البخور الفواح ذي الرائحة العطرة
التي تضفي الانتعاش وتزيح عن النفس تعب الأيام السوالف..
كذلك يعتبرها اليوم فرصة للتسوق العائلي في المراكز
التجارية والأسواق.. وتفتخر نساء عدن بالحناء والخضاب الذي
يزين يديها وأرجلها والزي العدني المميز وهي الدروع
النسائية التي تتفنن كل امرأة في اختيارها ليبدو ذلك
ملائماً مع الحلي والمصوغات الذهبية التي تنسجم مع ذوقها
وكأنها عروس في ليلة زفافها، تحرص فيه النساء على الاجتماع
في بيت إحداهن لقتل الوقت والقيل والقال بين النساء والذي
لا يحلو بغير القات والشراب والقهوة وسيدة الجلسة النسائية
النارجيلة "الشيشة".
تبدأ هذه الجلسة بعد صلاة العصر وحتى قرب صلاة العشاء حيث
تعود كل امرأة إلى منزلها.
ويلات
الخميس
تقاطعها عائدة شمسان- طالبة لتقول:
لكن هذه
الطقوس النسائية التي تحرص عليها نساء عدن قد تجلب لها
ولبيتها ولأطفالها أضراراً لا تحمد عقباها، فالزوج قد يخرج
من المنزل لزيارة أحد أصدقائه أو قضاء حوائجه تاركاً زوجته
مع الأطفال لتشعر بالملل وتفكر بالقضاء عليه بالجلسات
النسائية وتهمل العناية بأطفالها فتتركهم في المنزل وهذا
أمر خطير، إذ من المحتمل أن يؤذي الطفل نفسه بأي أداة حادة،
أو قد يرمي بنفسه من شرفة المنزل، فالطفل لا يعي خطورة ما
يقوم به.. وتواصل: هذا حدث لإحدى نساء الحي حينما كانت في
بيت صديقتها ليصل إليها نبأ احتراق منزلها فتهب مفزوعة إلى
المنزل وقد احترق ونجا منه أطفالها بأعجوبة وهذا نهاية
الإهمال والجلسات النسائية التي لا طائل منها إلا وجع
الرأس .
يوم في
إجازة
بعض المؤسسات والمرافق الحكومية الرسمية والخاصة تعيش في
إجازة طوال يوم الخميس، وهذا يجد متنفساً رحباً للأسرة
والعائلات لقضاء أوقات سعيدة وممتعة منذ الصباح الباكر
وحتى أوقات متأخرة، والسؤال هو كيف يتعامل الناس مع يوم
الخميس، وهل يخططون لها أم أنها مجرد أعمال روتينية تتصف
بها عدن، وكيف، وما هي الأبعاد التي يجنونها من الاهتمام
بفكرة الاستمتاع بيوم العطلة..؟ تتفاوت الآراء والتوجهات
للموضوع:
• عزيز إبراهيم- مدرس يتحدث قائلاً:
عندما يأتي الخميس يصحو الفرد منا من نومه عفياً، طروباً،
ومتلهفاً كعادته على جريدته ثم احتساء القهوة الصباحية، ثم
مغازلة زوجته، فلا يحلو غزل الزوجة إلا صباح الخميس حاملاً
الوعد بليلة دافئة حتى في عز الصيف، ثم تبادل القبلات مع
الأطفال وقبل الظهر بقليل يغادر الفرد مقر عمله فالعمل
قليل وبعض الموظفين يسرعون في إنجاز أعمالهم أولاً بأول
حتى يأتي الخميس لاداء بعض الأعمال.. شأنه في ذلك شأن كل
المدارس والدراسة ثلث النهار ثم يتدفق التلاميذ في كل
اتجاه، لا شيء يشغلهم إلا اللهو واللعب حاملين شعار "اليوم
حرام فيه العلم".
ويكمل: في هذا اليوم تحلو فيه المسامرة العائلية ونجتمع
جميعاً أنا وزوجتي وأطفالي للتفكير في كيفية قضاء ذلك
اليوم إما بالذهاب إلى الحدائق والمنتزهات العامة أو
القيام برحلات جماعية مع الجيران إلى إحدى محافظات
الجمهورية أو زيارة الوالد والوالدة أو قضائه في المنزل
بين رائحة البخور والعطور والفل ودعوة الأصدقاء في لمة،
لمضغ القات ومعرفة أخبار بعضنا بينما تجتمع زوجتي برفقة
الأطفال بزوجاتهم، وهكذا يصبح ذلك اليوم وكأنه عيد، لا
نستريح إلا في وقت متأخر بعد انصراف الزائرين لننام
والسعادة تملأ جفوننا لا نصحو إلا قرب صلاة الجمعة.. هذا
هو الخميس كله فرح وسعادة للكبير والصغير.
التخطيط
• أما خالد عبدالله ـ طالب جامعي
فيقول:
يوم الخميس
أكون في المنزل حيث لا عمل فيه، لذا لا أخطط ليوم الخميس
بل أنتظر المفاجآت فقد توجه لي دعوة باتصال هاتفي أو يقوم
أحد الأصدقاء بزيارتي.
ويختلف (مصطفى محمود) وهو موظف حكومي في رؤيته ليوم الخميس
بالقول:
أخطط برفقة زوجتي لتنظيم إجازة الخميس وتحديد برنامج لنا
بعد فنجان من الشاي أو القهوة وقليل من المزاح، تبدأ
الجلسة الخاصة بترتيب قضائه لأن يوم الخميس فرصة ليزور كل
منا عائلته وأصدقاءه وتقام فيه أكثر الحفلات والمناسبات
العائلية كالخطوبة والزفاف لنعيش في أجواء عائلية مرحة بكل
سعادة وبشاشة، صحيح أن ذلك اليوم فيه تعب وإرهاق وصرف
ميزانية مالية، لكن ترافقه راحة مفتوحة في يوم الجمعة.
سيمفونية
كل خميس
"يوم الخميس حضر وحيس" عبارة يرددها أغلب سكان عدن، وربما
الكثيرون غيرهم يعتبرون أن يوم الخميس فقط للحضور وإنهاء
الأعمال بسرعة روتينية غير معهودة عن كل الأيام،
والاستعداد لشراء رزمة القات التي تبدو على مرمى حجر منهم،
وحتى هذا لن يأتي إلا بعد إنفاق أموال باهظة، وبعد
الانتظار والازدحام والمبايعة لتنتهي المعركة بانتصار
أحدهما البائع أو المشتري، ولأنهم الضحية وهي البطون
الخاوية "فاليوم خميس وكله يهون في سبيل التكييفة على
المزاج" كما يسميها البعض.
• يقول محمد مصطفى.. موظف:
إن ليوم الخميس مكانة عالية عن باقي الأيام ينتظره الموظف
بفارغ الصبر وكأنه ينتظر ضيفاً عزيزاً بعد طول الغياب
للراحة والاستجمام، ومن أولى أولوياته هي شراء القات
الممتاز ولا يهم السعر، المهم أنه يعطي للمذاق حلاوة
وللجلسة طلاوة وتجهيز الأشربة الغازية والماء الصحي وسماع
الأغاني اليمنية والعربية مع بعض الأهل والأصدقاء، تعطي
للجلسة جواً مميزاً تمتد لأوقات متأخرة من الليل نقضيها في
أحاديث جانبية عامة أو خاصة، وحتى سياسية ورياضية.
وعند سؤالنا: هل يتوافق ذلك توازناً في احتياجات المنزل؟
فيقول: بالتأكيد فكما أن للنفس راحة كذلك للجسم راحة، وأنا
والحمدلله لا أقصر في مصاريف الزوجة والأولاد.
أزواج
موالعة
• يتفق يحيى سالم المجيدي مع الرأي
السابق حيث يقول :
الحالة
الاقتصادية للفرد تلعب دوراً كبيراً في استمتاع سكان عدن
بيوم الخميس وهذا نادر الحدوث، فنجد أشخاصاً انعدم عندهم
الإحساس بالمسئولية وامتلأت قلوبهم جفاء وغلفها الصدى
يقولون أنهم لا يملكون ثمن شراء الفواكه والخضروات للزوجة
والأولاد في حين يملكون ثمن شراء القات.. ولو بالاستدانة
من أحد الأصدقاء والمعارف.. شريطة أن يكون القات ذا جودة
عالية، المهم إرضاء النفس، فما ينفقه على القات تكفي
الأسرة شهراً كاملاً ينفقه في يوم، وكل ذلك للتباهي أمام
أصدقائه وجيرانه على حساب أسرته واحتياجاتهم المعيشية.
حديث يحيى
يتفق مع ما تقوله (م.خ)- ربة منزل ساخطة على يوم الخميس
قائلة: إن يوم الخميس لعنة مسلطة على رقبتي أنا وأولادي
رغم أن زوجي موظف إلا أن راتبه ينفقه على القات والأنواع
الممتازة منها.. يقصر في احتياجات المنزل ولا يقصر في
التكييفة كما يطرق بها آذاننا صباح مساء، حتى أنه صار
متنوع المواهب.. يستدين من هذا ويشارك هذا ويتطفل على هذا
من أجل ورقات لا تغني ولا تسمن من جوع فكثرت الديون حتى
وصل به الأمر إلى سرقة ذهبي وباعه لقاء سدادها وما تبقى
أنفقها على جلساته وأصدقائه، لم أعرف عنه كرماً على بيته
وأولادي مثل كرمه على أصدقاء السوء، وهو الآن يفكر في بيع
المنزل الذي نعيش فيه بمنزل آخر رخيص.
وتضيف ساخطة: الحياة مع هذا الرجل أصبحت مستحيلة، بل إنها
ليست حياة، إذا كان علي أستطيع التحمل، ولكن ما ذنب
الأطفال؟ من أين أوفر لهم مصاريف المدرسة والمعيشة؟! أمام
زوج مستهتر لا يقدس الحياة الأسرية.
وقفة صارخة
إن ما يجلب
التقزز فعلاً هو امتلاء الحدائق والمنتزهات والسواحل
العامة بجماعات تربطهم جلسات القات ومشاهدة التلفاز
يفترشون الأرض ويلتحفون الهواء.. هذا ما قاله عادل حسين-
موظف ويكمل: هذا يعطي تشويهاً لمنظر جماعي كمدينة عدن
المفترض أنها العاصمة الاقتصادية والتجارية للجمهورية
اليمنية.. ماذا يقول السائح العربي والأجنبي عنا أمام
استهتار هؤلاء الناس.. لم يتركوا شارعاً ولا حارة ولا بيتاً
ولا حتى حديقة إلا وشوهوا جماله بهذه الجلسات ومخلفاتهم
شاهدة على ذلك كالسجائر والأكياس وأوراق القات وبقايا
أوساخ المداعة والشيشة.. ثم أين المسئولون في صندوق
النظافة من كل هذا العبث المتواصل بالبيئة والحياة.؟!
ولنا كلمة
هذا هو الخميس
في عدن بإيجابياته وسلبياته وللقارئ أن يختار، قد تتشابه
العادات والطقوس وبينها وبين المحافظات الأخرى وقد تتشابه
النفوس في استقبالها لهذا اليوم أو ذاك، ولكن قد لا تتشابه
قلوب أخرى مع كل يوم، فكل يوم يمر أكان الخميس أم غيره لا
يعني شيئاً بالنسبة لها سوى أنه يوم مر وانقضى وغداً مثله،
لتمر عجلة الحياة بهم سريعة دون توقف جاراً معه الذكريات
الحزينة وشريطاً طويلاً من المعاناة، كل همها لقمة العيش
فهل نظرنا إليهم وأحسسنا بآلامهم وفتشنا عنهم، ومع ذلك تظل
للخميس نكهة ولون ورائحة .
|