|
بسبب
تكاليفه الباهضة يقولون " عرسين ولا ولاد "

40 يوماً
من التفرطة
*
كتبت / فاطمة العجل
في
مناسبة الاحتفال بالمولود الجديد غالباً مايتردد على مسامع
الناس في صنعاء المثل الشعبي الشهير " عُرسين ولاوِلاد "
وذلك نتيجة للتكاليف و الطقوس المبالغ فيها أثناء الاحتفال
بالمولود الجديد. على مدار 40 يوماً يتم إقامة المؤتمر
النسوي "التفرطة" والذي يتضمن عادات وتقاليد شعبية خاصة في
الولاد .
يبدأ الترتيب والإعداد لهذا المؤتمر من لحظة معرفة الزوج
بأن زوجته حامل. إذ يباغته هم المصاريف والنفقات التي يجب
أن يدفعها خلال تفرطة الولاد فيبدأ الزوج المسكين بتجميع
الأموال لهذه المناسبة القادمة بعد تسعة أشهر وتظل الزوجة
تُلح وباستمرار بتذكير زوجها كيف كانت تفرطة فلانة وأنه
لابد أن يكون احتفالها بمولودها الجديد أحسن وأفضل من
فلانة وفلانة التي أنفقت " شيء وشويات" تعـد الزوجة قائمة
الطلبات " حق البن، مستلزمات المداعة والشيشة والشاي
والكيك .
ولتفرطة الولاد طقوسها الخاصة والتي تستمر على مدار أربعين
يوماً تتم هذه الطقوس على أكمل وجه حيث أن هذه الأربعين
يوماً تكون مقسمة حسب الطقوس والمناسبات لكل فترة من فترات
الولاد وهي حسب التالي :
" أسبــوع الفرحـة "
وهو الأسبوع الأول أو الأيام الأولى من الولادة ، فبعـد
سماع الجيران والأصدقاء بأن فلانة أنجبت من خلال قيام أم
الوالدة أو عمتها بإخبار جميع الجيران بأن أبنتها ولدت.
تأتي ـ وعلى الفور ـ الجارات المقربات للوالدة لتقديم
التهاني وبعدها بيومين على الأقل تبدأ النساء بزيارة
الوالدة وهي زيارة الفرحة. تكون عادةً هذه الزيارة قصيرة
لا تتجاوز الدقائق القليلة وذلك لمعرفة النساء بأن الوالدة
مازالت متعبة وغير قادرة على استقبالهن لمدة أطول. لحظة
وصول المهنئة من باب المنزل تبدأ بالزغردة " المحجرة "
تعبير عن فرحتها بسلامة الوالدة. وهناك عرف في صنعاء أنه
إذا كان المولود " ولداً " فإن المهنئة تزغرد " تحجر "
ثلاث مرات متتالية ، وأما إذا كانت المولودة " بنتاً "
فتكتفي بمحجرة واحدة.
تدخل المهنئة للسلام على الوالدة مرددة عبارة " جنة لش
بالعافية " تقدم المهنئة بعض النقود للوالدة كنوع من العرف
حيث تضع مبلغاً من المال في قطعة منديل وتضعها تحت فرش
الوالدة أو بالقرب من المولود. دائماً ما تتوقع الوالدة
زيارة الفرحة في أي وقت في الصباح بعد العصر أو في المساء.
" الأسبوع الثاني من الولاد "
عندما تكون الوالدة قادرة على استقبال عدد أكبر من
المتفرطات تبدأ النساء بالتفرطة بعد أسبوع تقريباً ، يجهز
مكان صغير في المنزل لاستقبال المتفرطات حيث تلبس الوالدة
ملابس عادية ، بعد مرور الأسبوعين تبدأ أسرة الوالدة
بالتجهيزات لدخول الوالدة مكان الولاد وهو من أهم الأحداث
خلال فترة الولاد. مكان الولاد عبارة عن مكان معد بشكل
دقيق ومزين بشكل رائع وغالباً مايكون أكبر غرفة في المنزل
أو ما يسمى في صنعاء " الديوان " وبهذا الحدث تبدأ
المراسيم الرسمية للولاد.
يوم دخول الوالدة مكان الولاد تذهب إلى حمام بخاري قريب من
بيتها برفقة مجموعة من صديقاتها أوقريباتها. في هذا اليوم
لابد من دخول الوالدة مكان الولاد بزفة وعادة ماتكون زفة
نشيد " مولد " يتم دعوة المنشدة لإحياء هذا الحدث ويتم
دعوة جميع الأهل والأصدقاء في هذا اليوم على عكس الأيام
السابقة حيث تأتي المتفرطات دون دعوة لأنها عبارة عن
زيارات عادية.
بعد دخول الوالدة مكان الولاد تبدأ حفلات الشاي البسيطة
والتي تسمى " البن " والزيارة، فهي تستمر إلى نهاية الولاد
، وحفلات البن عبارة عن تقديم حلويات وكعك وغيرها
للمتفرطات حيث تقوم أما الصديقات أو الجارات بترتيبها ودفع
تكاليفها أما حفلات " الزيارة " فهي تَتّبع نفس الطقوس إلا
أنها من قبل أهل الوالدة. هناك زيارة معروفة وخاصة بأهل
الوالدة " أسرتها ".
وهي زيارة الأب حيث تعتبر أهم زيارة وهي منتظرة من قبل
المتفرطات يقدم والد الوالدة أحسن الهدايا من الكسوة
كالقماش الفاخر وغيرها. في يوم زيارة الأهل تتجمع
المتفرطات لمشاهدة ما أحضر الأب لابنته من هدايا ويبدأن
التقييم هل كانت الزيارة " على قد المقام " أم لا ؟ تعرض
هذه الهدايا أمام جميع الحاضرات كنوع من العرف وكنوع من
التفاخر أمام النساء.
أما الزيارات الأخرى فيتم ترتيبها مع أم الوالدة أو عمتها
" أم الزوج " إذ تأتي المرأة التي تريد عمل زيارة للوالدة
بإخبار أم الوالدة برغبتها " بتبنين " عمل زيارة " وبهذا
تخبر الحاضرات أن غداً زيارة فلانة وبهذا تعتبر دعوة
مفتوحة لجميع الحاضرات. و في يوم الزيارة تعتبر المرأة
التي قدمت الزيارة مسئولة عن توزيع المأكولات للضيوف
بالتعاون مع أصحاب الولادة .
" المرتبــة ومكان الولاد "
المرتبة هي المكان المخصص لجلوس الوالدة حيث يتم تجهيزه
قبل دخول الوالدة مكان الولاد بيوم على الأقل. وهي عبارة
عن مكان مرتفع عن بقية المجلس ، حيث يقوم الزوج أو أحد
أفراد أسرة الوالدة بترتيبها وتزيينها حيث يوضع الريحان
والشذاب وعدد من المصاحف حول المرتبة وفي بعض الأحيان يتم
تعليق بعض الأشياء التراثية والقديمة.
كالملابس التراثية والستارة.. وكذلك بعض أدوات المطبخ
القديمة وبعض الأسلحة القديمة كنوع من عرض التراث القديم
على الحاضرات وبهذا يتم الانتهاء من تجهيز مكان الولاد
بشكل جميل وجذاب ويتم تجهيز أيضاً مستلزمات الجلسة من
مستلزمات المداعة و الشيشة والمعاشر وماء الورد والثلاجات
بالماء بالبارد والزر والهيل وسكر النبات وغيره...
ونتيجة للأحداث الكثيرة من خلال فترة ما بعد دخول مكان
الولاد يتم إحضار شغالة لمساعدة أهل الوالدة بالعمل وترتيب
مستلزمات الولاد وخاصة من قبل الأسر مسيورة الحال.
ملابس الوالدة في الولاد عرض للفلكلور اليمني الأصيل
للوالدة ملابس خاصة بعد دخولها مكان الولاد حيث تكون ملابس
تراثية وشعبية قديمة، وكل يوم لابد أن تلبس لبساً جديداً
يختلف عن اليوم الأول فأحياناً تلبس المصر " الطالعي
والنازلي " وأحياناً تلبس "العصبة " بإختلاف أنواعها
وأشكالها والعصبة عبارة عن زي شعبي مصنوع غالباً من
المرجان، اللؤلؤ، الخرز أوغيرها ، توضع العصبة على الرأس
وحول صدر الوالدة لتصبح الوالدة في هذه الأيام مميزة عن
بقية الأيام الأخرى .
أما الحاضرات " المتفرطات " فيحاولن لبس أجمل مالديهن خلال
أيام الولاد وخاصة إذا كان هناك "مولد" نشيد حيث تحرص أكثر
المتفرطات على لبس الأزياء الشعبية وخاصة "المصر الطالعي
والنازلي" الذي يعتبر تقريباً الزي الرسمي للمرأة المتزوجة
في يوم النشيد بشكل خاص. وخاصة المرأة حديثة الزواج حيث
تكون مهتمة بمظهرها أكثر من الباقيات.
تعتبر فترة الولاد فترة وتجربة مميزة لكل أم في صنعاء حيث
تظل الذكريات لتلك الأيام والاحتفالات. أماني صدقة " أم
ملاك " تحدثت عن فترة ولادها قائلة : حسيت نفسي كأني ملكة
على عرشي جالسة عليه والمتفرطات كالوفود يأتين من كل مكان
لرؤيتي وهناك من يخدمني إلى مكاني ، شعور جميل إذ كل ما
أطلبه يحضر في ثواني فأنا الوالدة والجميع في خدمتي.
كانت ولادتي بملاك أول تجربة لي. طالما سمعت عن الولاد
وأحداثه ولكني عندما عشت التجربة حسيت وعرفت جمال هذه
الفترة وتميزها.
أما هـدية الجبلي " أم لخمسة أبناء تعتبر مناسبات الولاد
فرصة لتجمع النساء في جو من الأنس والفرح : صديقاتي يتسمن
بالمرح ففي فترة الولاد يحضرن لعمل مسرحيات بسيطة يقمن
بالتنكيت مع بعضهن البعض أمام النساء الحاضرات فمثلاً تقوم
إحدى الصديقات بلبس لباس رجل وتدخل فجأة على المتفرطات
لتخويفهن وبعدها يقمن بتقليد بعض حركات لرجال معروفين لدى
أغلب الحاضرات وهكذا يقضين وقتاً ممتعاً ومسلياً مع بعضهن
.
بينما غنية محمد طاهر " أم أيمن " تقول : إن مناسبة الولاد
فرصة للتذاكر وعقد ندوات دينية وخاصة أيام الموالد والنشيد
فبعض الصديقات يقمن بعمل محاضرات خلال أيام الولاد فترى
جميع الحاضرات يحضرن للفائدة.
حيث أن النساء يعتبرن مناسبة الولاد فترة للمرح والمتعة
والفائدة فالرجال لهم رأيهم الخاص والذي قد يعتبر مغايراً
لما تقوله النساء.
نبيل حسين يحكي تجربته مع فترة ولادة زوجته والمراسيم التي
قامت خلالها بقوله : " كانت تكاليف مناسبة الولاد
واحتفالاتها فيها لزوجتي أكثر من 300 ألف ريال تم صرفها في
أربعين يوماً لا غير وهذا كله لإرضاء رغبات الحاضرات
اللواتي لا يعجبهن العجب حتى ولو أشعلنا أصابعنا شمعاً
ولكن نتيجة للعرف والعادات والتقاليد والإصرار الزائد من
زوجتي وأمي باعتبار التقصير في أمور واحتياجات الولاد من
العيب الاجتماعي لذلك حاولت تلبية هذه الاحتياجات والطلبات
.
أما بعض الأسر فقد بدأت بتقليص فترة الولاد من أربعين يوماً
إلى شهر أو أقل نتيجة للحالة الاجتماعية والاقتصادية
الصعبة، وبهذا يُدفع جزء من الضرر ويقلل نوع ما من
المصاريف والتكاليف الزائدة والمبالغ فيها. حيث يقول
عبدالله محمد : لا أستطيع توفير جميع متطلبات الولاد لذلك
اتفقت مع زوجتي بأن تختصر فترة الولاد إلى 25 يوماً فقط
وما سيتم دفعه على مستلزمات الولاد يتم دفعه وصرفه للمولود
الجديد.
" يـــوم الوفــاء "
وهو اليوم الأخير من الولاد واحتفالاته حيث يتم تبليغ
ودعوة جميع الأهل والأصدقاء بأن " يوم غدٍ هو يوم الوفاء
يعتبر هذا اليوم مميزاً حيث يتم إنهاء واختتام مراسيم
الكرنفال الذي استمر أربعين يوماً متواصلة ، هناك بعض
الأسر من تُحضر فنانة لإحياء هذا اليوم وعمل زفة غناء
كبيرة للوالدة كاختتام الولاد والبعض يحضر منشدة ، بينما
يكتفي البعض بتوزيع الحلويات على المتفرطات. في نهاية يوم
الوفاء وعند مغادرة المتفرطات الولاد تأتي كل واحدة لتوديع
الوالدة والدعاء لها بالصحة والعافية حيث تردد عبارة
معروفة بين النساء " ولاد العافية ".
وبنهاية هذا اليوم تنتهي مراسيم الولاد وتنسدل ستارة
المهرجان الطويل على مدى أربعين يوماً والذي كان برعاية
الزوج المسكين وتحت إشراف وبدعم من أسرته المتواضعة ولهذا
غالباً ماتجد الرجل الصنعاني يردد المثل المشهـــور
والمعروف " عُــرسين ولا وِلاد ".
|