|
قصة
كفاح :
الحاج / علي
محمد سعيد :
قصة
كفاح ونجاح بحجم الوطن
!
كتب /
عماد السقاف - بالتعاون
مع نشوان نعمان
بؤس وشقاء
يلف الأمكنة .. الناس تموت جوعاً في طول البلاد وعرضها..
تتوارد الأخبار عن وفيات بسبب الجوع .. بدأ الخوف يتسلل
إلى النفوس.. النساء يتذكرن أزواجهن خلف البحار، ويشُّدهُنّ
الشوق و الحنين إليهم..أهالي قرية (قرض) في عزلة الأعروق
قضاء الحجرية بمحافظة تعز يعيشون تلك الأحداث ويتابعونها
أولاً بأول..آباء وإخوان وأزواج يعيشون خلف البحار، وأهل
يتقلبون على أحر من الجمر شوقا لهم. وفي خضم هذا التوجس
الذي احتل عقول الناس جميعاً واختطف البسمة من شفاههم
والفرحة من قلوبهم.. استبشروا بقدوم مولود ذكر في عام 1926
بعث الفرحة في قلب والده (محمد) وجده (سعيد أنعم). أسموه (علي)
وهم يستشرفون الأفق العالي مع قدوم المولود,القادم الجديد
الذي حمل الفرحة للقلوب التي تتوجس خيفةً من أخبار الموت
جوعاً. وهاهم الناس يتسلقون الأشجار بحثاً عن حبات الدوم (البعر)
و(السُقم) ويبحثون عن شجيرات (العثرب) و(القرانيط).
استقبلت الأسرة حفيدها (علي) بأملٍ كبير..إنه الهدية التي
ادخرها الله ليقدمها لأهله في الوقت المناسب،هاهو (علي)
يكبر شيئاً فشيئاً، وتنمو عضلاته محاطاً بحب ورعاية جده (سعيد
أنعم) ووالده محمد سعيد وعمه هائل سعيد الذي صار فيما بعد
صديقه ورفيق دربه . لقد مثلت هذه الأسرة في حياته المدرسة
الأولى التي زرعت في قلبه الإيمان وحب الناس والأخلاق
الفاضلة .
في السابعة من العمر عرفت خطواته الأولى الطريق إلى معلامة
الفقيه (أحمد).. فانكب على قراءة القرآن الكريم, وأتم حفظه
خلال عامين فقط. كان يتشوق للاستزادة من العلوم التي يسمع
عنها من القادمين من خلف البحار. انتقل بعدها إلى قرية "
الحباترة " المجاورة لتعلم النحو والصرف و الفقه والحساب
والجغرافيا على يد العلامة شاهر داود . وخلال عامين استطاع
أن ينهي تلك المرحلة بنجاح كبير، فقام بعد ذلك مع اثنين من
زملائه بتعليم أطفال قريته القرآن والحساب وهو لايزال في
الحادية عشرة من عمره.
التحدي
رقم ( 1 )
انتشرت الأخبار السارة عن قيام الطفل ( علي) بتدريس أطفال
القرية القرآن والحساب والجغرافيا. كانت مبادرة لنشر العلم
والمعرفة ومحاصرة رقعة الجهل.. العلم مفتاح النجاح .. وهو
مفتاح الرزق كذلك كان الناس في تلك الأيام يعتبرون الحساب
من العلوم الصعبة.. والجغرافيا من علوم السماء، وكانوا
يعتبرون الحساب ودراسته محصوراً فقط في أصحاب (الدكاكين
والتجار). استهوت (علي) لغة الأرقام منذ وقت مبكر..
واستطاع إجادتها وعملياتها المعقدة. تواترت الأخبار،
وتناقلها الناس، وكانوا يرددون حفيد سعيد أنعم يدرس(
القسمة والطرح والضرب). في تلك الفترة كان المهتمون بلغة
الأرقام قليلين وكان أصحاب الدكاكين يفرحون إذا عرفوا أن
أحد الشباب يعرف الحساب، فيقومون بالاستفادة منه في كتابة
حساباتهم اليومية مقابل قطعة سكر (نبات) أو حبة( تمر).
تعرض الفتى الصغير أستاذ الحساب لأول تحد في حياته من أحد
أبناء القرية الذي أراد منه أمام الأطفال معرفة عدد حبات
كيس الأرز الذي يزن خمسين كيلو جراما لم يقف الأستاذ الطفل
(علي) متخاذلا أمام هذا التحدي الكبير..لكنه بادر في الحال
إلى فرز رطل رز ومعرفة عدد حباته، ثم ضرب الناتج في عدد
الأرطال التي يحتوي عليها الكيس ليصل إلى عملية حسابية
سليمة تتضمن ناتجاً تقريبياً صحيحاً.
هل هي الأقدار التي بدأت تهيئ هذا الطفل القروي لخوض غمار
حياة حافلة بالتحديات المختلفة مع الأرقام ومشاكلها؟ لقد
بدأت الرحلة الطويلة من ذلك التحدي الذي يعجز أطفال القرية
جميعاً عن مواجهته. هل كان ذلك الانتصار جواز عبور إلى مرا
فيء العالم ؟
صوت
أطربه من خلف البحار
شمخ الطفل
المنتصر بأنفه على خصمه وهو يقرأ رسالة عمه هائل سعيد يطلب
منه السفر إليه إلى الصومال لمساعدته في أعماله
التجارية..استبد به الشوق إلى معانقة عمه الحنون. لقد عمل
الحب في نفسه ماعمل. لم تفتر من عزيمته مفارقة مرابع الصبا،
ومسقط الرأس، والأم الرؤوم.. والأخوات الكسيرات،استبد به
الشوق إلى رؤية وجه عمه الطافح بالبشر والخير والإيمان. لم
يفكر بمخاطر الأسفار وركوب البحار.. لم يفكر الطفل الصغير
بالرحيل نحو المجهول وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره..
كل ذلك لم يثنه عن السفر إلى حيث أرادت الأقدار ليلتقي
بالأب الموجه والعم المحب, فبدأ رحلته ملبياً نداء عمه من
خلف البحار سيراً على الأقدام، تارة مغادراً قرية (قرض)
وتارة أخرى على ظهور الجمال عبر أودية ملتوية وطرق وعرة
تنتهي بمنطقة( المفالس) التي ينام فيها الفتى (علي) إلى
الفجر ليستقل أول سيارة نقل مملوءة بالبضائع متجهة إلى عدن.
وصل إلى عدن، ومكث أياماً ينتظر مركباً بحرياً ينقله إلى
الصومال. نظر إلى البحر فتراءى له من شاطئ التواهي عمه
المحب فارداً ذراعيه، يقف خلف الأمواج البعيدة ليحتضن ابن
أخيه القادم من قمم جبال الحجرية الشاهقة، وفي انطلاقته
نحو الحياة الأولى, غازلته الأحلام التي أشرق بعضها بلا
موعد، والتي تكسَّر أغلبها قبل أي موعد.
كان الطفل
يتشوق لرؤية رفيق الدرب الطويل ليروي له أخبار الأحبة
والأهل في القرية، والظروف المعيشية التي يمرون بها. وبعد
ساعات قلائل كان الفتى قد وصل إلى عمه السعيد بوصول ابن
أخيه. كان العم فخوراً بابن أخيه الذي قطع القفار و البحار
للوصول إليه ملبياً دعوته لمساعدته في إدارة تجارة الجلود
التي كان يعمل فيها هائل سعيد وكيلاً لأحدى الشركات
الفرنسية بعدن .
كان وصول الفتى (علي) إيذاناً ببدء نشاط تجاري جديد يقوم
به العم هائل سعيد. فكان الفتى مكملاً لعمه في كثير من
أمور التجارة لمعرفته بعلوم الحساب. وبدأ الاثنان في تكثيف
النشاط لمضاعفة الجهود من خلال استيراد الملابس والمواد
الغذائية من عدن، لكن لم يستقر المقام بهما طويلاً في
الصومال .. فأراد الله أن يعود العم وابن أخيه إلى (قرض).
دكان (المعلا)
بعد عودتهما من الصومال إلى أرض الوطن. قاما بمحاولات
عديدة للبدء في عمل تجاري في نطاق (قرية) قرض وما جاورها.
وواجهتهما ظروف صعبة وخسائر متتالية .. لكنهما رغم ذلك
كانا يحاولان المرة تلو الأخرى. واستطاعا في عام
1938العثور على دكان صغير في (المعلا) قاما باستئجاره
ومزاولة العمل التجاري فيه. واصل علي محمد سعيد مع عمه
إدارة النشاط التجاري وعمره حين ذاك 13عاما وبدأ يشارك عمه
معاناة التأسيس، ويقاسمه حلاوة النجاح، ويقتدي بأخلاقه
وعلاقته بالناس. فشكلا معا ثنائيا متميزا للتكامل, وشهدا
معا عددا من تجارب النجاح والفشل. لقد تأثر بحس عمه
التجاري، ورؤيته البعيدة والطموحة وأخلاقه وتدينه وحبه
للخير وفعل المعروف، ومن شدة حبه لعمه وصفاته المثالية
الرفيعة كان يبذل قصارى جهده لتطبيق تلك الصفات النبيلة
تجسيدا لتك العلاقة الفريدة التي جمعت بينهما. وبعد حدوث
العديد من التجارب التي واجهتهما هبوطا وصعودا..خسارة
وربحا..حزنا وسعادة..استقر نشاطهما التجاري من خلال بيع
المواد الاستهلاكية، وكان حينذاك الاستعمار البريطاني قد
فرض إجراءات تموينية مقننة , وتم صرف بطاقات رسمية تحدد
احتياجات السكان من المواد الغذائية في كل حي من أحياء
المدينة وأعطى حق احتكار البيع المباشر لشركة (البس)
التجارية التي كانت تتولى البيع للتجار في الحي بواسطة
بطائق المواطنين ثم يقوم التجار ببيعها على سكان الحي بحسب
الحاجة، وكان هائل سعيد كغيره من التجار الذين يمارسون ذلك
النشاط التجاري، واستمرت تلك العلاقة مع الشركة في جو من
الثقة والأمانة وهو الأمر الذي أدى إلى تطوير العلاقة مع
الشركة بشكل كبير ومتسارع أدى إلى تنامي رأس المال بشكل
لفت الأنظار.. فتطورت وتعددت أعمالهما التجارية، وبدأت
أعمال التصدير تستأنف دورها إلى الصومال وفق أسس علمية
ومدروسة،حين التحق بهما الشاب أحمد هائل سعيد في عام 1945م
الذي كان يديرها في الصباح ويساعد اباه وابن عمه علي محمد
سعيد وسعيد عبده سعيد في أعمال الدكان بالمساء، فكان إضافة
جديدة بالنشاط . استطاع بذكائه ونباهته وما حظي به من
تعليم خصوصاً في مجال اللغة الانجليزية أن يضع أول خطوات
النظام الإداري للنشاط وفي بداية عام 1950م فكر الأخوة
الشركاء بتوسيع نشاطهم التجاري في شمال الوطن، فوقع
الاختيار على الشاب علي محمد سعيد للانتقال إلى الحديدة
لأدارة النشاط التجاري الجديد وكان عمره حينذاك24عاماً،
فقام أولا بممارسة تصدير الحبوب بأنواعها المختلفة
المتوفرة في التهائم إلى عدن.
وانهمرت دموع التاجر الشاب
وبقي في الحديدة رغم الظروف الصعبة التي كانت تعيشها
حينذاك في سبيل تطوير الأعمال التجارية بكل همة ونشاط رغم
مؤامرات (حيتان) السوق الذين أرادوا إفشال القادم الجديد
الذي واجههم بكل شجاعة وحنكة واقتدار، مهتديا بالمثل
والقيم العليا التي تعلمها من عمه فقام بتطويع تلك الظروف
القاسية في الحديدة للدفع بنشاطه التجاري نحو الأمام،
واندمج فيه بصورة جعلته يتفرغ له تفرغا كاملا مضحيا في
سبيل ذلك بالعديد من الأشياء ولم يفق سوى بعد وصول الأنباء
عن رحيل والده في القرية إلى الدار الآخرة.. فوصل في اليوم
العاشر من وفاته إلى فوق القبر الذي ما أن رآه حتى انكب
عليه باكيا إلى درجة كاد أن يغمى عليه، ووجد عمه (هائل)
وعمه جازم قد سبقاه إلى القرية، فكان له الأب والعم معا.
فتعهده برعايته، وأغدق عليه الحب ربما أكثر من أبنائه وكان
علي محمد سعيد فخورا بعمه الذي تعلق به أكثر من أبيه، وكان
يبادل عمه الشعور ذاته، واستمرت هذه العلاقة العميقة بين
العم وابن أخيه بل امتدت لتشمل العلاقة بين علي محمد سعيد
وأبناء عمه جميعا حتى اليوم.
مخ اليمن
ولم يعد بعد ذلك إلى الحديدة، بل انطلق مع عمه إلى عدن،
ومكث فيها فترة، ثم انتقل في عام1954 إلى المخاء. فقد كان
يعتبرها مخ اليمن، فاستقر بها، وبنى بيتاً، وتفتحت أمامه
آفاق جديدة، وتطورت أعماله وامتدت قنوات توزيعه لمادة (الكيروسين)
كوكيل لشركة " شل" البريطانية في معظم المحافظات الشمالية
نظراً لامتلاكه عقلية تجارية حققت له أرضية صلبة في
الأسواق، وكان يقوم إلى جانب ذلك بتوزيع السكر والأرز
والتمر والكبريت ومعظم المواد الاستهلاكية. وتواصلت بعد
ذلك النجاحات التجارية التي كان يحققها باسم هائل سعيد
أنعم وشركائه بالتنسيق مع عمه وابن عمه (أحمد ) الذي انتقل
عام 1958م الى تعز ليدير النشاط التجاري في شمال الوطن،
واقتضت مصلحة العمل أن يعود علي محمد سعيد للعمل بجانب عمه
إلى عدن .
عساكر
الإمام
أدرك الفتى الشاب علي محمد سعيد عن كثب العهدين الاستعماري
البغيض والكهنوتي الأمامي ومساوئهما وتدميرهما لمقومات
الوطن اليمني، وتآمرهما على شعبه الكريم، لقد شاهد بعينه
استعباد الناس من قبل عساكر الإمام، وإثقال كاهل المواطنين
بالأعباء والواجبات المالية التي اضطرت الكثير للاغتراب
بحثاً عن لقمة عيش كريمة لأفراد أسرهم، وتأمين التزاماتهم
المتزايدة للحكم الامامي الذي كان يعيش على الواجبات .
كانت أسفاره إلى خارج اليمن تفتح شهيته للعديد من الأسئلة
المتمردة عن الأسباب التي تجعل اليمن تعيش وضعاً مختلفاً
عن بقية البلدان التي يزورها. ويرتد الجواب اليه سريعاً:
إن السبب في ذلك الاستعمار والحكم الإمامي لاغير.
وجها لوجه مع الزبيري والنعمان
كان الفتى الشاب الذي يتفجر حيوية ونشاطاً وثورية يتحين
الفرص لمعرفة وجوه رموز الحركة الوطنية، وكان له ما أراد،
في أحد أيام عام 1947م حين وقع بصره في شارع العيدروس بعدن
على رجلين يرتديان ملابس القضاة فأنجذب إليهما، وهب للسلام
عليهما، فاستقبلاه ببشاشة وعرف أنهما الأستاذ / أحمد محمد
نعمان والقاضي/ محمد محمود الزبيري، فتوطدت العلاقة بينهم
بعد ذلك، وانضم إلى صفوف الأحرار. وكان كريماً في دعم
الحركة الوطنية ورجالها إلى جانب حضوره في ميدان العمل
الوطني الفدائي من خلال تواصله المباشر مع الأحرار وإطلاعه
على تطورات النشاط وتنفيذ
المهام التي توكل إليه
ففي فبراير 1948م تم استدعاؤه من قبل الأحرار للمشاركة في
كتائب تنظيم الفدائيين التي تشكلت من الشباب المتطوع لدعم
الثورة بعد التخلص من الإمام يحيى فكان لعلي محمد سعيد
دوراً ملموساً مع الاحرار، حيث تبرع يومها بقيمة البدلات
العسكرية للكتيبة، وحين فشلت الثورة الدستورية اضطر للعودة
إلى عدن مع العديد من الأحرار، ولم يكن حينها قد ظهر نشاطه
إلى العلن. مثلت انتكاسة ثورة 1948م صدمة عنيفة في صفوف
الشباب الأحرار خصوصاً بعد إعدام رجال الثورة الشجعان.
وكان علي محمد سعيد كغيره من الشباب قد بلغ به الحزن مبلغه،
وهو الأمر الذي جعله يقرر الانتقال إلى الشمال ليكون على
مقربة من الأحداث، وظل يتابع نشاطه التجاري وينتقل بين
المخاء والخوخة والحديدة و تعز وغيرها، لكنه لم يتخل عن
قضية الثورة وظل على تواصل مستمر مع رجالاتها والدعاة
إليها.
وجاء بعد ذلك انقلاب عام 1955م الذي قام به المقدم الثلايا
إلا أن الإمام أحمد قام باستعادة ملك أبيه، وقام بإعدام
قادة الانقلاب، وشهد بعد ذلك الوطن العديد من الحركات
الانقلابية ضد الحكم الكهنوتي.
تأسيس التنظيم الوطني
كان علي محمد سعيد يساهم في دعم هذه الحركات النضالية
بسخاء غير معهود إضافةً إلى مشاركته العملية في التخطيط
لها، حيث قام مع عبد الغني مطهر والقاضي/ عبد الرحمن
الارياني والشيخ / محمد علي عثمان وأحمد ناجي العديني
وعبدا لقوي حاميم وغيرهم من المناضلين والتجار والقضاة
والمشائخ بتشكيل تنظيم وطني في تعز بهدف الإعداد للثورة،
ثم توسع التنظيم بانضمام عدد آخر من المناضلين منهم
الأخوين / يحيى وعبد الحفيظ بهران, والشيخ / مطيع دماج،
وأحمد قاسم دماج وأحمد منصور أبو أصبع، وغيرهم. كما قام
بتشكيل خلية أخري تابعه لهم في عدن تألفت من النقيب/ محمد
قائد سيف، ومحمد مهيوب ثابت، وأحمد هائل سعيد، ومحمد علي
الأسودي، ومحمد أحمد شعلان وآخرين، وبدأ تنظيم تعز نشاطه
الوافي والاتصال بالتنظيمات الأخرى للإعداد والتخطيط
للثورة.
وكان للتنظيم اتصالات مباشرة مع القيادة السياسية في مصر،
بدأت عام1962م خلال عودة علي محمد سعيد من موسكو بعد زيارة
عمل تجارية. والتقى حينذاك بالسادات مع النقيب/ محمد قائد
سيف. وخلال تلك المقابلة أبلغتهم القيادة المصرية رغبتها
بدعم الثورة ومساندة نشاط الأحرار، فشعر علي محمد سعيد
بخطورة تصدره شخصيا لهذا الأمر خوفا على نشاطه التجاري،
فتولى عبد الغني مطهر مسؤولية التنسيق مع القاهرة، حيث
كانت له علاقات تجارية مع بعض الدبلوماسين المصرين في
اليمن خلال تلك الفترة.
الله أكبر يا بلادي كبري
وسافر بعد ذلك عبد الغني مطهر وعلي محمد سعيد وأحمد ناجي
العديني إلى صنعاء للتعرف على المناضلين في تنظيم الضباط
الأحرار وتنسيق النشاط معهم وبعد عودتهم إلى تعز تم
إبلاغهم بتغيير مقر تفجير الثورة من تعز إلى صنعاء بسبب
موت الإمام متأثراً بجروحه من العملية الاغتيالية التي قام
بها اللقيه والعلفي والهندوانه بمستشفى الحديدة ، وتحمل
تنظيم تعز مسؤولية نقل الأسلحة والذخائر إلى صنعاء.. وقام
علي محمد سعيد وعبد الغني مطهر بتجهيزها في زنابيل وحقائب
وتم تغطيتها بفطائر الجبن، وتم تكليف أحمد ناجي العديني
بمهمة نقلها إلى الحديدة جواً ومنها إلى صنعاء براً. ظل
الجميع يترقب بحذر شديد وخوف أشد خشية انكشاف أمر نقل
الأسلحة والذخائرإلى صنعاء خاصة وأن ساعة الصفر المتفق
عليها لقيام الثورة قد اقتربت. لم ينم علي محمد سعيد تلك
الليلة، بل استمر ساهراً ينظف الأسلحة، ويفرز الذخيرة،
وبقى القلق والترقب مسيطراً عليه حتى جاء صوت المذيع في
الساعة الخامسة من فجر السادس والعشرين من سبتمبر عام
1962م يجلجل في فضاء الحرية :هنا إذاعة الجمهورية العربية
اليمنية، وأنطلق أول نشيد وطني معلناً فجر عهد جديد(الله
أكبر يا بلادي كبري)
فانطلق عبد الغني مطهر وعلي محمد سعيد في أنحاء مدينة تعز
يبشر الناس بالعهد الجديد، وانطلقت سيارته في شوارع
المدينة تبشر الناس بالثورة، وسعيد الجناحي يعلن فيها
بصوته الجهوري عن قيام الجمهورية, فعمت الفرحة وخرج الناس
في مظاهرة معلنين ولاءهم للعهد الجديد.
أول وزير صحة
بعد قيام الثورة المباركة في 26 سبتمبر1962م، تم تعيين علي
محمد سعيد أنعم القيام بالعديد من المهام الوطنية في إطار
الجمهورية الوليدة, حيث تم تعيينه وزيراً للصحة في أول
تشكيل وزاري بقيادة الرئيس/ السلال، ثم أعيد تعينه مرة
أخرى في نفس الموقع في التشكيلة الوزارية الجديدة، إضافة
إلى عضويته في مجلس قيادة الثورة وعضو مجلس الرئاسة ووزير
الدولة للشئون الاقتصادية ورئيس البنك اليمني للإنشاء
والتعمير، وتقلد العديد من المناصب الأخرى في الحكومات
المتعاقبة، كما عين في المجالس الاستشارية والتشريعية بعد
ذلك, وما يزال حتى اليوم عضواً في مجلس الشورى, وقد حصل
على العديد من الشهادات التقديرية، والأوسمة التكريمية في
الداخل والخارج تقديراً لأدواره الوطنية في مسيرة الثورة
والجمهورية والوحدة، وإسهاماته في التنمية الصناعية
والزراعية .
ورغم تقلده العديد من المواقع الرفيعة في الدولة إلا أنه
يفخر بالدور الريادي الذي قام به أثناء توليه حقيبة وزارة
الصحة في بداية الثورة،
فحين تسلم مقاليد هذه الوزارة كان يدرك واقع الصحة المتردي
في البلاد التي لم تكن تمتلك سوى ثلاثة مستشفيات في تعز
وصنعاء والحديدة، يعمل فيها عدد قليل من الأطباء الأجانب،
وكانت حينها الأمراض وبالذات (الملاريا) تفتك بأبناء الوطن
. وفي ظل هذا الوضع المأساوي وجد نفسه مسؤولا عن صحة الناس
الذين قامت الثورة من أجلهم، فقام شخصياً بالنزول الميداني
إلى كل قرية ومدينة، وقام بتشكيل الفرق الميدانية من
الشباب المتطوعين الذين أرادوا التضحية في سبيل إخوانهم،
وقام بحشد جميع الجهود، ودعا التجار في الداخل والخارج إلى
مواجهة وباء الملاريا الذي فتك بالأطفال والنساء والشيوخ،
وقام أيضاُ بتأسيس العديد من المستشفيات والمرافق الصحية
على امتداد أرض الوطن بمساهمة من المواطنين والتجار. لقد
واجه العديد من الصعوبات في ذلك الوقت، فلم تكن البلد
تمتلك سوى الطبيب عبده علي سيف، الذي تخرج من جمهورية مصر
وعاد إلى اليمن، ولكنه هاجر إلى أمريكا، وظل الوزيرعلي
محمد سعيد يبذل الجهود للعثور عليه, فأرسل تذاكر السفر ـ
لعودته ـ إلى سفارتنا في أمريكا، ولكنهم لم يتمكنوا من
العثور عليه وكان علي محمد سعيد يرغب في أن يضع الرجل
المناسب في المكان المناسب ويتنازل له عن الوزارة .
ولم يكتف بذلك بل واصل مواجهته لمختلف الأوبئة التي كانت
تفتك بالناس، وواصل العمل في هذا الاتجاه حتى بعد أن غادر
كرسي الوزارة، ومن شواهد ذلك مبادرته لبناء مدينة متكاملة
لمرضى الجذام بتمويل من شركة هائل سعيد أنعم وشركائه في
منطقة الحصب بتعز تضم عددا من المنشآت والمرافق الطبية،
كمستشفى الأمراض النفسية والعصبية والعيون.. ومن أبرز
الجهود في المجال الإغاثي الطبي تأسيسه لجمعية الهلال
الأحمر اليمني أثناء توليه حقيبة وزارة الصحة بدعم كبير من
التجار الذين تبرعوا بسخاء يعكس التفاعل الجاد مع قضايا
الوطن .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حــوار :
الشيخ / علي محمد سعيد لـ ( الأسرة والتنمية ) :
سافرت إلى الصومال وعمري 13سنة

وتاجرت هناك بالملابس
والمواد الغذائية
* حاوره / خالد خشدل
" رجل من نور"
ذلك أجمل ما يمكن أن يوصف به رجل الأعمال السيد/ علي محمد
سعيد.. تشعر وأنت معه بنبل المشاعر وطيبة القلب ونقاء
الإيمان.. رجل بدأ من (صفر) التجارة, وساهم في انطلاق ساعة
(صفر) الثورة.. وفي حوارنا معه أثبت أن الطريق إلى النجاح
ليس سوى بدايات صعبة لحياة تتجدد كل يوم.
علي محمد سعيد-
رجل مفعم بالذكاء- عميق النظرة, لكلماته دلالات ومعانٍ ,
تجد في ثناياها حكمة الشيوخ, وبين سطورها طموح الشباب-
ولذا تجده- دوماً يشجع الشباب متفاعلاً بقضاياهم, حاملاً
لآمالهم.. يحب كثيراً الشباب الذي يتسم بالطموح والمثابرة
والاخلاص.. لذا يسعد كثيراً بتوظيف الشباب في مجموعته
التجارية.. وهذا الحوار مع رجل الأعمال الكبير..هو خلاصة
تجارب- قصة حياة ابتدأت بالصفر وانتهت بالأرقام اللا
متناهية في البنوك.. حكاية دنيا افتتحت مسيرتها بدكان صغير
في عدن ومازالت صفحاتها متعددة الشركات التجارية والمساجد
والجمعيات الخيرية.
بدأ من "صفر" التجارة.. وساهم في انطلاق ساعة "صفر" الثورة
رجل الأعمال الوطني والتجاري/ علي محمد سعيد- يروي لـلأسرة
والتنمية حكاية مجموعة تجارية بدأت بدكان صغير وانتهت
بشركات متعددة وجمعيات خيرية ترفد الوطن بالاستثمار
والمجتمع بالعطاء.
* السيد الوالد كيف كانت بداية
خوضكم غمار التجارة رغم مخاطرها خصوصاً وأن بدايتكم كانت
متواضعة جداً في ظل تجارة ناشئة محلية آنذاك؟
بدأ نشاطنا التجاري ببقالة صغيرة إلى جانب استيراد وتصدير
محدود وتوكيلات عامة أيضاً وكان ذلك في عام 1938م.. وفي
1950م بدأ نشاطنا التجاري يأخذ حجماً أكبر في التوسع,
ونتيجة للتطور المتسارع في تجارتنا قررنا التوجه إلى شمال
الوطن, ومع التفاني في العمل وتراكم الخبرات واكتساب
المهارات في الأداء توسعت مجموعاتنا على امتداد خارطة
الوطن لتصبح ممثلة للعديد من كبريات الشركات العالمية.
* ماذا عن السبعينات؟ هل شهدت إنشاء
شركات جديدة تلبي احتياجات السوق المحلية؟
بالتأكيد إنشاء الشركة اليمنية للصناعة والتجارة في 1970م
كأول شركة صناعية يقيمها القطاع الخاص شكل لمجموعتنا
التجارية مرحلة جديدة في تطور النشاط الاستثماري, وأتت بعد
ذلك بقية الشركات الصناعية والتجارية والخدمية والتي حالياً
تشكل مجموعة اقتصادية ضخمة في الأداء والجودة والخبرة
لتلبي جزءاً كبيراً من احتياجات السوق المحلية, ولتغطي
مساحة كبيرة من النشاط الاقتصادي.
* في تقديرك إلى من يعود هذا النجاح
والتطور؟
إلى رعاية الله وحفظه أولاً وإلى مساهمة رجال الأعمال
والأفراد في جميع أرجاء الوطن.
* لو ابتعدنا عن المجموعة وسألنا
شخصكم الكريم تدركون جيداً أهمية السير الذاتية بالنسبة
للأجيال خصوصاً لرجال الأعمال أمثالكم لهم بصمات في ذاكرة
العمل الوطني بشكل عام والتجاري على الأخص.. ماذا عن
البدايات الأولى للعلم والمعرفة؟
أول من كان له الفضل هو القاضي/ شاهر داؤود (رحمه الله)
فقد درست على يديه قواعد الخط والحساب وعلوم الفقه والقرآن
الكريم بالإضافة إلى النحو والبلاغة.
* كم كان عمرك ذلك الوقت؟
لم أبلغ بعد الثالثة عشرة (13) من عمري, وبعدها سافرت إلى
الصومال.
* تقصد سافرت الصومال وعمرك لم يتجا& |