|
من
مداهمات الانجليز إلى مداهمات البلدية والضرائب
مقهى كشر .. ابتسامة عدنية
عمرها 60 عاماً
عدن
/ مروان الجنزير
أعد
المادة للنشر / صلاح الدكاك
على مقاعد
هذا المقهى الخشبية ، ترك العابرون ما يشبه حفريات سياسية
واجتماعية وثقافية ، تحيل الزائر إلى قرابة ستة عقود من
تاريخ جنوب اليمن .
لا يزال المكان فوَّاحاً برائحة العقود الخالية ، تغمر بهو
المقهى مع أبخرة الشاي المتصاعدة من أقداح ، هي نوافذ
خلفية على صخب الأمس ، أو صناديق دنيا تشدك من ياقة
الذاكرة لتغوص بك في تفاصيل منسية ، جديرة بالمطالعة .
هنا ، على
مقعد ينزوي بشاعرية ، جلس لطفي جعفر أمان ، ذات نهار بعيد
، ليكتب قصيدة شعر ، ومن على مقعد آخر في المقهى نفسه ،
تحدث سالم رُبيِّع علي عن دور العمال في حركة التنمية ،
واستشرف حلم الوحدة اليمنية ؛ و لاحقاً كان خلفه علي ناصر
محمد ، يشدد ، في حديثه إلى حشد من رواد المقهى ، على جدوى
كسر حاجز المركزية ، كخطوة ملحة صوب الانفتاح التدريجي . .
هذا هو "مقهى كَشَّر" الذائع الصيت ، والذي يتهادى كقارب
على نهر الزمن ، الممتد من لحظة تأسيسه في العام 1948م في
حي صيرة بعدن ، منزلقاً بين أمواج الأحداث ، مبحراً بلا
مرسى ، في رحلة مفتوحة ترفض فكرة إسدال ستارة الختم .
* 59 عاماً
مضت منذ قرر صاحب مزرعة الأبقار "هاشم عبد الله هاشم " ،
والشهير في الأوساط العدنية ب( كَشَّر) ، أن يشرع أبواب
مقهى ، وخطَّط ليكون محطة للنخب والفئات الاجتماعية الأخرى
، . . كان هاشم عضواً مؤسساً في نادي الشباب الرياضي و
الأدبي ، الذي ضم صفوة من أسماء تركت بصمات مائزة على
المسار السياسي والثقافي لليمن ، فيما بعد . . عبد الله
عبد الرزاق باذيب ، رئيس تحرير صحيفة الطليعة الماركسية ،
صاحب المقالة الشهيرة " المسيح الذي يتحدث الانجليزية " ،
الشاعر والسياسي عمر الجاوي ، مؤسس اتحاد الأدباء والكتاب
اليمنيين ، وشخصيات رياضية لامعة كنصر شاذلي ، إبراهيم
صعيدي وغيرهم . من هذا الوسط النخبوي خرج هاشم بمشروع
المقهى الذي تحوَّل على امتداد ستة عقود إلى ملمح أصيل في
مسميات وجه المدينة .
هنا صوت العرب
* " انشغل أبي عن ولادتي بأحداث حزيران 1967م . . ظل
مأخوذاً بتداعيات النكسة ، واختفى صراخ المخاض خلف صوت
المعركة . . " هكذا – وبزهو – تحدث " نصر هاشم " عن أبيه
الذي سلَّمه دفَّة إدارة المقهى ورحل . . " كان واحداً من
مناضلي الجبهة القومية – كما يروي نصر – وقد اعتقله
الانجليز وتعرض للتعذيب ، إثر عملية الليل الأسود في مارس
1965م ، والتي دمَّر عناصر الجبهة خلالها ناقلة جنود
بريطانيين و أصيب في العملية ضابط برتبة كولونيل – " . .
كثيرون ممن التقينا بهم يؤكدون رواية نصر هذه ، فالمقهى –
على حد تعبيرهم – كان بيتاً وملاذاً آمناًَ لمقاتلي الجبهة
القومية ، وعقب الاستقلال كان رواد المقهى سبباً – أيضاً-
في لفت القيادة السياسية إلى أهمية المكان ، لا سيما وهي
بحاجة إلى الترويج لتوجهاتها في أوساط مختلفة وفئات عدة ،
الأمر الذي امتاز به مقهى " كَشَّر " ، كحال مقاهٍ عدنية
أخرى بقدر من الشهرة ، وكانت مقصداً لغير فئة من الناس .
*يستعيد الحاج
/ محمد الغفوري – وهو من رواد المقهى القدامى – ذكر زيارة
الرئيس سالمين للمكان . . كان ذلك في أواخر 1976م بين
الرابعة والسادسة مساءً ، حين جلس سالمين وتحدث عن دور
العمال وعن الوحدة ، كان بصحبته أربعة من المرافقين ، كما
يقول الحاج الغفوري لمزيد من تأكيد الرواية . . وفي عيد
العمال عام 1984م سجَّل مقهى كَشَّر زيارة لرئيس أخر هو
علي ناصر ، يقول الغفوري " صافحته مع مجموعة من زملائي . .
أذكر جيداً أنه تحدث عما سيتحقق من انفتاح تدريجي لو كسرنا
حاجز المركزية . . " ، وليست تلك هي الزيارة الوحيدة لعلي
ناصر ، فقد تردد على المقهى مراراً حين كان وزيراً للتربية
عام 1972م ، واستقبل شكاوى أولياء الأمور من على دكة
المقهى كما يؤكد الغفوري أيضاً .
* العجوز سالم
طنبور يرصد جانباً أخراً من عمر المقهى . . لا تزال لقرقعة
أحجار الدومينو " الضمنة " صدى في ذاكرته ، ويحكي طنبور عن
طاولة لعب كانت تنعقد لساعة متأخرة من الليل ، بين الفنان
محمد عبده زيدي وأحمد بن أحمد قاسم ، نهاية ستينيات القرن
الفائت ، وقبل أن يلمعا كنجمين في سماء الفن . . يا ترى
لمن كان الفوز يُكتب في مضمار اللعب ؟ ! . . لا ريب أنه
لمقهى " كَشَّر " الذي احتفظت مقاعده و طاولاته وزواياه ،
بكل هذه الذكريات .
مداهمات
- ما الذي
تغير بعد كل هذا العمر المديد ؟ !. يقول نصر وهو يجيل بصره
في زوايا المقهى من خلف طاولته المجاورة للباب " لا حديث
للرواد اليوم سوى عن معاشات تكفيهم بالكاد ، وعن شحة فرص
العمل . . " وعلى رصيف المقهى و الأرصفة المقابلة يحوم
المتسولون والمجانين بوفرة ، لقد فقد زمان حلاوته على
الأ |