| |

السيد /
محمد بن يحيى الجنيد
|
الطبية :
الحس
سبق في
الأعداد الماضية أن ألممنا بالحديث عن الصدر- والقلب-
والفؤاد.. بغية الوصول إلى المكانة التي يحتلها الدماغ في
الجسم.
وقد رأينا كيف أن القرآن الحكيم لم يشر إلى الدماغ بأي
صورة, وإنما أشار إلى الحس, أو بالأصح إلى آلة الحس- السمع-
البصر- اللسان- الشفتين, وأناط بذلك أموراً هامة جداً..
وكثيراً ما قرن الفؤاد مع السمع والبصر.
ولكن الأمر المهم والمدهش حقاً ما ورد في قصة الفتية أهل
الكهف, فقد أورد القرآن المجيد صورة مذهلة ذات علاقة خفية
بالدماغ, أو بجميع الأعضاء الرئيسية.
يقص علينا القرآن الحكيم نبأ فتية فروا من خصومهم الكفار
وتوسلوا إلى ربهم أن يحفظهم من عدوهم, فألهمهم ربهم سبحانه
أن يأووا إلى كهف معروف لديهم, ففعلوا, ثم أخبرنا الله عز
وجل أنهم رقدوا مئات السنين, ثم قاموا, لكن الله عز وجل
أخبرنا بأمور لها علاقة واضحة في بقائهم هذه المدة بدون
تغير وبدون زيادة ولا نقص في أجسامهم.
وهذه الأمور هي:
- أنه تعالى ضرب على آذانهم.
- يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.
- وأنهم رقود على ظهورهم.
- وأن أعينهم مفتوحة.
- وأن الشمس لا تصل إليهم بشعاعها.
والعجيب هو:
هل يدرك العلم في يوم ما أن إغلاق السمع وفتح البصر
والاحتجاب عن الشمس يجعل الدماغ يستقر ويحفظ توازن المواد
العضوية بحيث لا يحتاج الجسم إلى شيء ولا ينقص منه شيء
لمئات السنين؟
ما سمعت بأحد من أصحاب البحث والعلم طرق هذا الموضوع, ويرى
أن ما حصل لأهل الكهف إنما هو معجزة من الله.
وقلت أن الله عز وجل لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه, ولكنه
تعالى ربط هذه الأمور بأسباب ظاهرة ليدرك الإنسان عظمة
الحكمة الربانية في هذا الكون.
ومن العجيب أيضاً أن أهل الكهف حين بعثوا لم يدركوا المدة
التي ناموها, ولا رأوا تغيراً على ظاهرهم, ولهذا قالوا:
يوماً أو بعض يوم.
ومن المعلوم إذاً أن كل ذرة في الجسم لها أصل في الدماغ
يستقبل ويرسل, فإن أصيب الدماغ بشيء تأثر الحس واضطرب
الجسم, وفقد التحكم, وزادت ضربات القلب.. ومعلوم أن الدماغ
بارد, وأن القلب حار, ولذا وضع الدماغ مقابل القلب ليتم
الاعتدال.
إن الدماغ يقوم بتفصيل الجينات التي حملها الماء الدافق,
وتوزعت في الجسم كله, ولهذا تنوعت الأمراض التي يقوم
أساسها على العنصر الوراثي غالباً.
ويلحق بالدماغ أيضاً النخاع الشوكي بل العمود كله.
وقد رأيت رجلاً أصابه حجر في وسط ظهره إصابة خفيفة, فلم
تمض إلا أيام قلائل فإذا به يفقد التوازن العقلي بصورة
ملحوظة, وتارة بتارة, وكان إذا حضر مع الناس لا يؤخذ عليه
شيء ويتكلم بوعي, فإذا انفرد صار شارد الفكر, وربما تبسم،
لا يدري, ومع ذلك فهو يدرك الحسن والقبح, والخير والشر,
وغير ذلك وبصورة كاملة.
ولهذا نقول:
أن الآلة لا تؤثر على الأصل ويمكن أن تتبدل.
فيمكن أن يبدل القلب, والعين, وغير ذلك بدون أن يتأثر
الدماغ, هذا بحكم الصورة المدركة الظاهرة.
ومن هنا تظهر الحكمة بين ما نسب إلى الصدر- القلب- الفؤاد..
وقد قال بعض الفلاسفة وجمع من الأطباء والعلماء أن الحس
المشترك عبارة عن القوة التي ترسم فيها صور الجزئيات
المحسوسة, وأن الحواس الخمس ما هي إلا آلة لذلك, وأن مكان
الحس المشترك مقدم التجويف الأول من الدماغ, تحفظ ما يدركه
الوهم من المعاني الجزئية.. فهو خزانة الوهم, كما أن
الخيال خزانة الحس المشترك.. وعلى كل حال فقد فتحنا في
موضوع الدماغ سبيلاً للعلماء والأطباء لإلقاء نظرة باحثة
إلى حقيقة ذلك.. لأنا نعلم أن هذه الأعضاء مهما كتب
الباحثون عنها فإنهم لم يصلوا بعد إلى اليقين الذي لا
تشوبه شبهة.
ونسأله تعالى التوفيق والسداد والإعانة لخدمة العباد.
|
|