الرئيسية | تعرف علينا | ملف العدد | إصدارات | مقالات | أعداد سابقة | أضفنا للمفضلة | ألبوم الصور

 
 
 
 
 
 

 تقرأون داخل هذا العدد. . . .     * مكالف " أعزكم الله ": بقلم / رئيس التحرير !...           *حرمان المرأة من الميراث : صور مخزية لفساد الولاية الذكورية...!           * تلوث الماء والهواء والغذاء :مخلفات المستشفيات محارق للقتل البطيء ؟ !....              * النجمة اليمنية " منى الأصبحي " : الشحات في اليمن أفضل من الممثل ..! . . . .       * في البحث عن إجابة للغز هروب الفتيات  : ماذا يحدث في الشقق المفروشة !.....      * في حواره مع الشيخين أبي الحسن العامري وعلي القاضي .. توهيب الدبعي  : أشهد أن محمداً - رسول الله - بريء مما تصفون..!              * لا يدوم طويلاً وأبطاله أساتذة جامعيون: الزوج العرفي .. حب أم رغبة ..!        * في لقاء مع مصاب بالإيدز ومعالجه : الزنداني والدولة يعالجانني ولا أشعر بأي تحسن يذكر  !. . . .           ؟    

 
 
 
 

 

 
 

صناعة القمريات ..

         الفن والهوية  !



* سالم المجيدي

الحديث عن القمريات لا يمكن أن يأتي بمعزل عن الحديث عن طابع الفن المعماري اليمني المتميز بطابعه الجميل والفريد الذي ليس له مثيل في أي طابع معماري آخر في العالم ، وذلك لوجود خصائص ومميزات فنية وجمالية تنفرد بها البيئة اليمنية وطبيعة الحياة التي يعيشها الإنسان اليمني .. فالإنسان اليمني عرف منذ القدم بأن السكن لا يستهويه إلا في المناطق المرتفعة ، بل والوعرة في أوقات كثيرة .. والبيت التي يحب أن يبنيها لا بد أن تكون شامخة البنيان – أي مكونة من عدة طوابق مرتفعة – فصفة الإباء والشموخ التي يتصف بها الإنسان اليمني انعكست على فن البناء والزخرفة ، ومن ذلك براعته وتفننه في صناعة النوافذ المقوسة والشرفات البارزة ذات البياض الناصع المرصعة بالزجاج الملون ، فتسمى قمرية لأن شكلها النصف دائري يشبه إلى حد ما القمر قبل اكتماله وخصوصاً في الليل ، فهي تسمح بنفاذ ضوء القمر إلى داخل الغرف بحيث أن الجالسين في هذه الغرف يستطيعون مشاهدة المناظر الجميلة من حولهم ..
في هذا التحقيق سنسلط الضوء على صناعة القمريات والتي تعد من الصناعات الحرفية القديمة ارتبطت بالإنسان اليمني منذ القدم ..
صنعاء القديمة .. النموذج الأبرز
يقول العلامة والمؤرخ / الشيخ – عبد الواسع بن يحيى الواسعي – في كتابه " تاريخ اليمن " المسمى " فرجة الهموم والحزن في حوادث وتاريخ اليمن " في الفصل الخاص صفة أبنية صنعاء " ويقاس عليها سائر مدن اليمن ، شكل بيوتها عالية بعضها إلى ست طوابق ، بناؤها أكثر إتقاناً وأجمل هندسة لأن الأسلوب العربي فيها لا يشبه من بناء الأجنبي – هندي أو أوروبي – وهي مبنية بالحجارة البيضاء والسوداء وتسمى هذه الأحجار في اليمن " بالحبش " – بفتح الحاء والباء – وبعد طبقتين أو ثلاث طبقات بالأحجار يبنى بالآجر ، وبين كل طبقتين حزام منقوش بأشكال هندسية " .
الطاقة أو القمرية
ويصل المؤرخ / عبد الواسع الواسعي إلى وصف القمرية – أو الطاقة – عند بعض أهالي اليمن فيقول " وفوق كل نافذة كوة ، وأهل اليمن يسمون النافذة " طاقة " وتسمى الطاقة شباكاً إلا أن أبوابه مخرمة بأشكال هندسية وينظر منه إلى الخارج .. وفوق هذه الطاقة الزجاج الملون أو لوح من الرخام شديد الصفاء ، يكاد من صفائه يكون كالزجاج رقيقاً شفافاً ، ويسمي أهل اليمن الرخام " القمرية " لأن ضوء القمر بالليل يدخل إلى المكان بسبب صفاء هذا الرخام ، وهو أمتن من الزجاج وأجمل ، وهو معدن يوجد بجبل الغراس في الشمال الشرقي من صنعاء ، وأكثر البيوت في أعلى الطبقات يبنون غرفة جميلة مربعة تنظر من نوافذها أكثر الجهات إلى البرية والجبال ، وتسمى هذه الغرفة بالمنظر ، وبعض الناس يسمونها بـ " المفرج " بشرط أن تكون النافذة كبيرة في العرض ، بعرض بعض جهات المكان بحيث أن الجالسين يشاهدون البر والجبال ... " انتهى كلامه .
نوع من الفن والزخرفة
صناعة القمريات إذاً تعود إلى قرون عدة ارتبطت بالفن المعماري اليمني ، حيث أصبحت تزين معظم البيوت اليمنية في المدن والقرى على حد سواء ، وصناعتها تعتمد على مواد بسيطة ، لكنها تعتمد في الأساس على اليد الماهرة التي تقوم بصناعتها وزخرفتها وتلك اللمسات الجمالية التي تظهر عليها .
* يقول محمد عبد الرزاق الشعبي – 18 سنة – أعمل في هذه المهنة – مهنة صناعة القمريات – وأنا طفل صغير والتي تعلمتها على يد والدي ، كنت في البداية أمارسها من باب التسلية وفي نفس الوقت أدرس في المدرسة ، لكن فيما بعد أصبحت جزءاً مني ولا يمكن التخلي عنها ، فهي من الحرف التي تشدك إليها ، لأنها تعد أيضاً من أنواع الفن لأن القمرية تعتمد على النحت والتشكيل والزخرفة .. فهي تصنع أساساً من مادة الجص المخلوط بالماء وتوضع فوق لوح خشبي ، ثم تتم عملية الحفر بآلة حادة ، بعد ذلك يتم تعريضها للشمس كي تجف .
تطعيم القمرية بالزجاج الملون
ولأن معدل الرخام الشبيه بالزجاج لم يعد يستخدم الآن ، ربما بسبب ندرته وغلاء ثمنه فإن البديل المناسب هو الزجاج الملون المستورد من الخارج والذي يعد ثمنه أقل تكلفة من الرخام المصقول ، فالمرحلة الثانية من صناعة القمريات هي تطعيمها بالزجاج الملون وهذه المرحلة كما يقول " محمد الشعبي " يتم تقطيع الزجاج الملون ، فهناك نوعان من الزجاج – ماليزي وهو رخيص الثمن – والنوع الثاني ألماني – غالي الثمن – حيث يتم تطعيم القمرية بالقطع الزجاجية الملونة في الفراغات أو الحفر التي أعدت لها .. أما تكلفة القمرية الواحدة فتصل من 1000- 1500 ريال حسب حجم القمرية ونوعية الزخرفة فيها .
لا يوجد تشجيع بل مضايقات
في كثير من دول العالم تقوم الجهات الحكومية بالاهتمام بالحرف اليدوية وخصوصاً تلك التي تحمل طابع التراث والهوية ، حيث تقدم الدعم المادي والمعنوي لتطوير واستمرارية هذه الحرف .. لكن في بلادنا كما يقول " محمد عبد الرزاق الشعبي " الجهات الرسمية لم تحاول في يوم من الأيام أن تقدم حتى دعماً معنوياً ولم نسمع منها أي تشجيع ، بل على العكس نواجه كل يوم على أيدي عسكر البلدية مضايقات ، فعندما نخرج القمريات لتجف في أشعة الشمس يقولون لنا بأن إخراجها إلى جانب المحل يعتبر مخالفة مما يضطروننا لدفع غرامة – مبلغ من المال – وهو نوع من أنواع الابتزاز ، " فنحن نريد فقط أن يتركونا وشأننا ولا نريد تشجيعاً أو دعماً من أحد " .
مصدر للرزق
وإذا كانت صناعة القمريات تعد نوعاً من أنواع الفنون عند " محمد الشعبي " فهي عند " عبد الرقيب عبد الرزاق " مصدراً للرزق .. حيث يقول : أعمل بهذه الحرفة منذ 8 سنوات ، وكنت في البداية أواجه صعوبات في تعلم هذه الحرفة لكن بعد ذلك صارت سهلة ، وأشعر الآن بالفخر والاعتزاز لممارسة هذه المهنة فالمحافظة عليها شيء مهم ، رغم أن ما نقوم به تجاه هذه الحرفة هي بمبادرات شخصية وليس هناك دعم من جهات معنية ، فالعمال في هذه المهنة ومعظمهم من الشباب هم من يهتمون بها لأنهم تربوا ونشأوا على هذه الحرفة لأنهم لم يجدوا أمامهم سواها .
إقبال متزايد
" أصبحت اليوم معلماً لصناعة القمريات ، حيث أقوم بتعليم هذه الحرفة الجميلة " بهذه العبارة بدأ عبده الوصابي – 22 سنة – حديثه ، ليكمل قائلاً " أرى بأن هذه الحرفة تتقدم يوماً بعد يوم والإقبال على شراء القمريات من قبل الزبائن يزيد يوماً بعد يوم وخصوصاً أننا قمنا بتطوير هذه الحرفة من خلال نوعية الزخرفة والتي لها أشكال وأنواع مختلفة ، فالطلب عليها يزيد بسبب النشاط العمراني في المدينة وفي المدن الأخرى فمن خلال هذه المهنة أشعر براحة نفسية عندما أنجز مثل هذا العمل والذي يحتاج إلى يد محترفة وخبيرة تجيد التعامل مع مثل هذه المهنة .. والحمد لله هناك زبائن يأتون إلينا لطلب نقشات معينة نتميز بها عن غيرنا من العاملين في هذه الحرفة .. وحتى السياح الأجانب يأتون إلينا ويقومون بتصوير القمريات ويحاولون أن يشجعونا ويبدوا إعجابهم الشديد بهذه الصناعة ، وبعضهم يشتري منا بعض القمريات تشجيعاً لنا .
نصف يوم للقمرية الواحدة
يقول " محمد سعيد دبوان – 27 سنة – أعمل في هذه المهنة منذ 16 سنة وقد أتقنتها تماماً وأقوم اليوم بتعليم بعض الشباب الراغبين في تعلم هذه المهنة .. فالقمرية الواحدة تأخذ أحياناً نصف يوم من العمل المتواصل ، فالأمر يعود حسب قدرة ومهارة العامل .. ويضيف : لدي هنا خمسة يعملون معي في هذا المحل أما والدي فهو يشرف من بعيد فقط ..
وأنا هنا كشاب أنصح الشباب بأن يعملوا في أي حرفة أو مهنة وألا يتذمروا من أي عمل حتى لو كان هذا الشاب جامعياً فعليه أن يعمل ويكسب رزقه بالحلال بدلاً من قضاء الوقت فيما لا يفيد .
تحتاج إلى الكثير من الصبر
أما " عبد الجليل دبوان -29 سنة " فيفلسف الأمر من وجهة نظره الخاصة ، حيث يجد كما يقول متعة خاصة عندما يقوم بالنقش والحفر على القمرية والتي يعتبرها أقرب إلى لوحة تشكيلية يترك فيها روحه وإبداعه فيها ، وهي كما يقول تحتاج لى الكثير من الصبر والإتقان وقبل كل شيء الحب والإخلاص لهذه المهنة والحس الجمالي أيضاً .. ويؤكد بأنه يستطيع أن ينجز في اليوم الواحد ما بين 4 -5 قمريات ، حيث يعتقد بأن العمل كان في السابق بسيطاً وسهلاً ولم يكن هناك عمال من الشباب ، لكن اليوم هناك الكثير من الشباب يعملون في هذه المهنة ويتنافسون على صناعة أفضل القمريات وإبداع تشكيلات جديدة في مجال النحت والزخرفة وهو أمر مهم – كما يقول عبد الجليل دبوان – في هذه المهنة والتي تطورت كثيراً بشكل أفضل .
الشهادة الجامعية ليست كل شيء
هناك الكثير من الشباب مازال ينظر لبعض المهن باحتقار شديد وخصوصاً خريجي الجامعات والذين يظلون لسنوات طويلة بدون وظائف ، حيث لا يجدون التشجيع من أهلهم وأقاربهم لاستغلال أوقات فراغهم في ممارسة أي مهنة من المهن .. لكن " منير سعيد دبوان " 25 سنة – من الشباب الذين يقدسون العمل ولا يتذمر من أي مهنة كانت . يقول منير : عندما كبرت قليلاً عرفت معنى قيمة العمل وانه لا بد لي من كسب حرفة تفيدني كمصدر للرزق حتى لو حصلت على شهادة جامعية ، حيث يمكنني أن أعمل بهذه الحرفة في أي مكان .. ويضيف : لقد لاقيت تشجيعاً كبيراً من الأقارب لتعلم هذه الحرفة ، فكلما أقوم بعمل قمرية بأحسن صورة أشعر بسعادة كبيرة لأني أعلم بأنها سوف تباع بسعر جيد ، إلى جانب ذلك أعتبر نفسي بأني أقدم خدمة للمجتمع هو بحاجة ماسة إليها ومن ثم عندما يجدون بأن عملنا متقن يعودون إلينا مرة أخرى لطلب القمريات وبتشكيلة معينة نحن متخصصون بصناعتها والتي يجب أن تظل على طابعها التقليدي المميز والجميل .
ختامـاً ..
يؤكد بعض الخبراء الاقتصاديين في بلادنا بأن قليلاً من الاهتمام بالحرف اليدوية ، وخصوصاً صناعة القمريات سوف يعود على البلاد بعدة فوائد ، من بينها أولاً المحافظة على هذه الصناعة من الاندثار ، فهي حرفة تراثية بالدرجة الأولى تتميز بروعة الزخرفة والجمال الفني والتي تنفرد بها اليمن دون سواها .. ثانياً من الناحية الاقتصادية ، فهذه الحرفة بدأت تجذب إليها الشباب العاطلين عن العمل ، فهي تستطيع امتصاص جزء من البطالة المتفشية في أوساط الشباب .. فقط يجب أن يكون هناك دعم مادي ومعنوي لتطوير مثل هذه الحرف من قبل الجهات الرسمية .. فهل من مجيب ؟
 

 
     
   
 

 

 
 

 

 
 

 

 

 

 

 عودة للرئيسية | رجوع للأعلى | تراجع للخلف

 

كافة الحقوق محفوظة لـ " مجلة الأسرة والتنمية " تعز - الجمهورية اليمنية

تصميم وتطوير : عبد الحبيب العزي